أخبارنا

أبو رمش… حين يصير الترحال ذاكرة، ويغدو المسرح أرضًا

كتب حمد دقدقي

لم يكن «أبو رمش» صورةً عابرة على خاصرة الطريق، ولا قبعةً تُحاكي ملامح الآخرين، بل كان سيرةً تمشي، وأثرًا يعرف كيف يترك ظله على الرمل دون أن يجرحه.

منذ أن صافح الأرض أول مرة، أدرك أن المكان ليس مساحةً تُقطع، بل روحٌ تُصان، وأن الترحال ليس هروبًا، بل عودةٌ أعمق إلى المعنى.

على امتداد أكثر من أربعةٍ وعشرين عامًا، كان يمشي بخطى هادئة، يُنصت للحجارة، ويقرأ ما نسيه الزمن في تجاويف الجبال، يحرس الذاكرة بلا ضجيج، ويجمع شتات الحكايات دون أن يسرق منها قدسيتها. لم يحمل أدوات عبث، ولا دخل أرضًا إلا بإذن التاريخ، مؤمنًا أن الاكتشاف أخلاق قبل أن يكون مغامرة.

وحين ضاقت الخرائط بالكلمات، اتسع له المسرح…
مسرحٌ لا جدران له، ولا ستارة، يمشي كما يمشي هو، ويتنفس كما تتنفس الأرض. في تجربته المسرحية المتحركة، لم يكن الجمهور أمامه، بل معه؛ يشهد الحركة، ويصغي للفضاء، ويتحوّل العرض إلى حياةٍ تُعاش لا مشهدٍ يُشاهد. هناك، حيث تمتزج الخطوة بالصوت، والفضاء بالذاكرة، وُلد مسرح الأداء بروحٍ جديدة، تلامس الناس في أماكنهم، وتعيد للفن دهشته الأولى.

«أبو رمش» لا يختزل المغامرة في سفر، ولا المسرح في خشبة، ولا الكاوبوي في مظهر.
هو ابن الأرض حين تُروى، ورفيقها حين تُنسى، وحارسها حين يمرّ عليها الزمن بثقله.
ففي خطاه ذاكرة، وفي حضوره مسرح، وفي صمته حكاية…
حكاية رجلٍ آمن أن الإنسان لا يكون عابرًا، إذا جعل من المكان وطنًا، ومن الفن عهدًا، ومن الترحال معنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى