مقالات

أحمق الكتروني

بقلم الكاتب/موسى أحمد حكمي

 

قال الشاعر العربي (( لكل داء دواء يستطبّ به …. إلا الحماقة أعيت من يداويها))، وما اكثرها هذه الأيام ولكنها في اطار عصري منمق على هواء الفضائيات والغُرَف الإلكترونية المُغلقة على أصحابها والمفتوحة على عموم الشارع، وفي عصر النوافذ والشرفات المغلّفة بزجاج عازل، والمشرعة بالمجّان في مواقع التواصل الاجتماعي، يرى البعض أن ينشر غسيله لا ليجف،

ولكن ليشاهده الجميع، ، ويرى نفسه بطل المشهد دون ان يتمتع بجمال الأداء والاتقان، وأن يصبح مرئيًا من خلف زجاج الشاشات في الأجهزة المحمولة متلهفًا للعيون التي ستراه، ومنصتًا للأيادي التي ستصفق له، ولست أعيب الزمان ولا التكنولوجيا ولكن أعيب كيفية التعامل معها، فهذه المواقع كما قرّبتنا من بعضنا لكنها عرّتنا وكشفتنا على حقيقتنا، وأظهرت هُزالنا وعيوبنا.

فهذا النشر المجاني والمتاح لكل من أجاد النقر على حروف لوحة المفاتيح وجعل البعض يظن أنه مثقفًا عظيمًا أو مناظّرًا أو فيلسوفًا، رغم أنه ليس أكثر من شهاب لامع في السماء سرعان ما ينطفئ وينسى او كما يحلو تسميته في هذا العصر بـ (فاشينيستا ) او (stand up comedy) ستنداب كوميدي بنطقها الدارج ، وليسوا إلا مهرجين أو حمقى بالأصح ماهي الا فترة من الزمن ونتجاهل طرحهم أو نمِله لكثرتهم وتزايد أعدادهم يومًا بعد يوم، حتى ارتفعت نسبة السخافة أمام الكتابة الجادة، وانتشرت الهلوسات المرَضَية أمام الفكر المتزّن ولا عجب في وجودهم في الإعلانات والقنوات الفضائية وقنوات التواصل الاجتماعي لأن عامة الناس تريد الابتسامة حتى ولو كان على حساب السخافة والحماقة ولكن لزمن بسيط فقط .

ولأننا في زمن الانتشار كل شيء في الحياة أصبح مُعدي فكذلك الحماقة معدية والسخافة معدية وأصيب الكثيرون بالعدوى وللأسف لم يوجد لهم علاجًا أو لقاح للتخلص من تلك العدوى المتمثلة في تلك الرغبة المحمومة للظهور وتلك اللهفة لعدد (اللائك) على المنشور وإن كان سخيفًا وعلى الصورة وأن كانت مستعارة، وتكاثر جمهور الحمقى ووجدوا فيهم قدوة فاسدة ومثلاً سيئاً، فعشقوا الفساد وأحبّوا السوء، حتى ينتابك شعور أنك غريب وسط هذا الموج المتلاطم من السخافات والحماقات! التي تُغرق وتجتاح مواقع التواصل الاجتماعي وتتعجب من تلك الجماهير التي تهلل وتتدافع لمتابعة امرأة تصرخ وتلعن الرجال وتسبّهم وكأنهم أعداء أهل الأرض، وإنسان خلقه الله ذَكَرًا وقد زجج حاجبيه وصبغ شفتيه ونافس النساء في زينتهن، أو أخرى تبتذل نفسها ابتذالاً في عرض رخيص، كنّا بالأمس نعدّه مخلاًّ بالحياء والأخلاق، لكنه اليوم أصبح فنّاً وموضة وحرية لا نملك أمامها إلا أضعف الإيمان وهو الصمت. المؤسف أن الأمر لا يقتصر على تلك الفئة والتي ربما تمارس دورها بسذاجة، لكن ظهور فئة أخرى من الحمقى أخطر من الفئة الأولى وهم أولئك الذين يلعبون اللعبة بحماقة وجبن، فئة فتوّات الكلمة الذين يجندون كلماتهم لبثّ شرهم وغدرهم داعين للفرقة والشتات مستخدمين الكلمة كنوع من الاستعراض البطولي الزائف والنكتة لإرسال سهام الحقد والضغينة ، فيخالون أنفسهم أبطالاً لمجرد أن يجعلوا الإساءة مادتهم التي يبنون عليها مجدهم المتوّهم، فمثل هؤلاء يسعدهم صوت الفرقعة التي يظنون أنهم سيحدثونها في مجتمع آمن، كطفل يمسك بمسدس مائي، يرشّه بطريقة عشوائية في كل مكان غير آبه بمن يصيبه البلل، ولعل مثل هذا الطفل سيتمادى لو لم يجد من يردعه، باعتبار أنه طفل، فهكذا هم بعض البشر أطفالاً وأن غزا الشيب مفرق رأسهم، مرضى وأن بدو يرفلون في ثوب الصحة، ومثل هؤلاء يستمتعون بتلك الفرقعة المؤقتة وبذلك الطفو السريع على سطح الموجة، وأن يكون اسمهم مرددًا في المجالس بكل ما فيه من تشوّه، فلا شيء يهمهم قدر أن يكونوا مرئيين في منشورات فارغة من القيمة.

نعم انا متيقن بأن كل ذلك حرية شخصية، وليس من حق أحدٍ المساس بها، ولكن هذه الحريات تجاوزت حدودها إلى حد الأذى في تشويه الطبيعة وبث الأسقام الأخلاقية في المجتمع، فما ذنب هذا الفضاء أن يتلوث بما ينشرون من غثّ، وما ذنب هذه الحياة لأن تمتلئ بكل هذه الحماقات صحيح انني استطيع اقفال هاتفي او منصتي الالكترونية وعدم متابعتهم ولكني في مجتمع محاط بتلك التفاهات والسخافات تارة وأخرى بأحقاد وشرور تبث تارة فما أن تفتح هاتفك حتى تجد نفسك محاصر بهم في إعلانات رخيصة مروّج لها ومدعومة، ولن تتخلص من هذا الحصار.

عموماً وختاماً إنه زمن قوي فيه من يصمت، وشجاع فيه من يعتزل، وحكيم فيه من يتجاهل هذه الفئات وينبذها ولا يمنحها أكثر من حجهما الحقيقي، ففي عصر التواصل والتقارب التقني والنشر المتاح والمباح لا تلم أولئك الحمقى بل لم نفسك أنك لم تتوقف حتى الآن عن متابعتهم، نعم أصبح القابض مبادئه متخلف أو انسان رجعي؟ إذن اقبض على مبادئك حتى تحترق أو تنطفئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى