مقالات

أمن الحج في عهد الدولة السعودية

بقلم - عيسى بن سليمان الفيفي

أمن الحج في عهد الدولة السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. الحج الآية 27.

وقال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). [آل عمران :97]، هَذِهِ آيَةُ وُجُوبِ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجُّوا). أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337).

فكان المسلمون يأتون إلى مكة المكرمة تلبية لنداء الله تعالى في إقامة فريضة الحج، راغبين في إتمام حجهم ونسكهم، فكانون يقطعون الفيافي والقفار، يجأرون بالتلبية، يشقون بأصواتهم مسامع البراري والقفار، خاضعين خاشعين لله تعالى، تحفهم السكينة والخشية، يمكثون الأيام والليالي سيراً عن الأقدام إلى أن يصلوا إلى هذه البقعة المباركة والمشاعر المقدسة، ليتموا شعائر الله تعالى، فمنهم من يصل إليها شاكراً حامداً الله تعالى، ومنهم من لا يصل إليها، قد خطفته يدُ المنون، بأيِّ سببٍ من الأسباب، وأسباب عدم وصلوهم إلى مكة المكرمة كثيرة، وقد كانوا يقضون أشهراً ذهاباً وإياباً تكتنفهم أهوالٌ وأخطار في طريقهم، فكان لزاماً على ولاة وحكام الدول الإسلامية تأمين فريضة الحج، من حيث الراحة والصحة في المشاعر وتأمين الطرق الموصلة إليه، حتى يأمن الحجاج على أنفسهم وأرواحهم، ويأدوا فريضة الله بكل يسرٍ وطمأنينة.

وسنذكر بعض الأحداث التي تعرض فيها الحجاج للقتل والسلب والنهب والسبي، على مدى (1096 سنة) متفرقة، ومتتالية، من عام 247هـ إلى 1343هـ، ثم يأتي بعدها دور الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- في تأمين فريضة الحج وحمايته.

من بداية ضعف الدولة العباسية إلى ظهور بني بويه (247-334هـ)

خلال (87 سنة) لم يأمن الحجاج على أنفسهم وعلى نسائهم وأموالهم وفي طرقاتهم، سواءٌ من الاعتداء والنهب، كما حدث في عام 265هـ اعتدى المفسدين على قوافل الحجاج ونهبوها، وفي عام 267هـ رجع عدد من الحجاج من شدة الحرِّ وخوفهم من عدم توفر الماء في مكة المكرمة، وهذا ما حصل لمن وصل إليها، مات من شدَّة الحر والعطش.

وفي عام 289هـ انتشر القرامطة في الآفاق وقطعوا الطريق على الحجاج، وأخافوا الحاج، ونهبوه وسلبوه وقتلوه، وأصبحوا على أشد مصيبة مرَّت على الحجيج خلال القرن الثالث والرابع، ومارسوا أبشع الجرائم ضد الحجاج، من القتل والسلب والنهب وفرض المكوس.

ففي سنة 317هـ لم يشعر الحجيج يوم التروية إلا وقد وافاهم عدو الله القرمطي بجيش جرار، فدخلوا بخليهم ساحة المسجد الحرام، ووضعوا السيف في رقاب الطائفين والمصلين والمحرمين، فقتلوا أزيد من ثلاثين ألف إنسان وسرقوا كنوز الكعبة، واقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم.

وفي عام 329هـ عاد الحجاج إلى العراق ولم يصلوا إلى المدينة خوفاً من قطاع الطريق.

وربما هلك الحجاج من شدة الحر والعطش في الطريق، أو في مكة، وربما رجعوا من الطريق من شدة الخوف.

الدولة البويهية (334 – 447هـ)

قال ابن كثير في أحداث 347هـ: (امتلأت البلاد رفضاً وسباً للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، فكانت هذه الحقبة أسوأ ما مرَّ على الحجيج، ففي عهدهم انقطع الحج من العراق، ما يقارب نصف القرن، منها سنين متتالية وبعضها متفرقة).

فمن السنين المتتالية: من سنة 334هـ إلى 338هـ، ومن سنة 384هـ إلى سنة 386هـ، ومن سنة 406هـ إلى 411هـ، ومن سنة 415هـ إلى 448هـ، وغيرها.

ومن السنين المتفرقة: 357هـ، وسنة 359هـ، وسنة 360هـ، وسنة 364هـ، وسنة 392هـ، وسنة 403هـ، وغيرها.

وكان آخر سنة خرجت فيها مواكب الحجيج بمعونة المقتدرين في 414هـ، ثم توقف الحج من العراق والشام إلى زوال الدولة البويهية سنة 447هـ.

الدولة السلجوقية (447- 656هـ)

كان للسلاجقة دور في إحياء السنة وقمع الفتنة، وقطع مظاهر الرفض، في مدة حكمهم 140 سنة، وقاموا بمحاولة تأمين الحج، ولكنها حصلت المشاكل التي أعاقت أمن الحج، من حصول غلاء المعيشة، والمجاعات الشديدة، التي أشغلت الناس بعضهم ببعض، ففي عام 462هـ لم يحج أحد من مصر بشبب غلاء المعيشة، والمجاعة الشديدة، والمكوس المضروبة عليهم، وقطاع الطرق في انتظار التربص بهم، فكان الحاج يسلك طريق دمشق ويجح من طريق العراق، حيث يسلكوا درباً آمناً لهم.

وفي عهدهم انقطع الحج العراقي من سنوات متتالية: سنة 463هـ، وسنة 464هـ، وسنة 486هـ، 487هـ، وغيرها، ففي سنة 468هـ حصلت فتنة بين أمير الحج العراقي وعبيد مكة، وفي سنة 478 حصل للحاج المصري النهب والقتل، وفي سنة 489هـ خرج على الحجاج سيلٌ أخذهم بأحمالهم وجمالهم، وفي سنة 531هـ مات بالزحام حول الكعبة 34 نفراً.

وفي سنة 656هـ لم يحج أهل العراق لدخول التتار بغداد وقتلهم الخليفة وزوال دولة بني العباس.

عهد المماليك (657 – 923هـ)

في هذه المرحلة ظهر اهتمامهم بأمر الحجيج، ولكن كان حاكم مكة يفرض على الحجاج ضرائب ومكوس، وتمادى في ظلمهم والتعدي على أموالهم والإساءة إليهم، فاستمر انقطاع الحجيج عن القدوم إلى مكة سنوات عديدة، منها ما كان الانقطاع لجميع الأقطار، كما في سنة 660هـ انقطع ركب الحجاج من جميع الأقطار، وفي سنة 670هـ وسنة 805هـ انقطع حجاج الشام والعراق واليمن، وفي سنة 824هـ لم يرد مكة حاج العراق واليمن، وانقطع حاج العراق من سنة 656هـ إلى 666هـ، ومن سنة 736هـ إلى 747هـ وغيرها الكثير، وفي سنة 774هـ اشتد الحر والعطش عل الحجاج في وادي الأخيضر فمات منهم كثير وهم رجوع، وفي سنة 800هـ مات نحو ألف حاج من العطش بالقرب من يلملم.

ففي عهد المماليك من سنة ٦٥٧هـ إلى ٩٢٣هـ، كانت هذه السنوات مرحلة كابد فيها الحجاج وعانى كثيراً، بسبب عدم أمن الحج، وقطاع الطرق، منها ٨٦ سنة ينقطع الحاج عن مكة إما من جميع أقاليم العالم أو بعضها، وخلال ٥٤ عاماً لم يحج الناس بيسر وأمان، بمعنى ١٣٠ سنة مدة حكم المماليك بعد سقوط الخلافة العباسية، وقدرها ٢٧٦ سنة لم يهنأ الحجيج في حجهم.

الدولة العثمانية (923 – 1343هـ)

لم تستطع الدولة العثمانية إيقاف الاعتداء على الحجيج، وتأمين الطرق لهم، واستمرت الهجمات الآثمة على الحجاج في طرقاتهم وفي المشاعر المقدسة وفي المسجد الحرام، ففي سنة 935هـ تعرض الحجاج للموت بسبب الجوع والعطش، وفي سنة 958هـ خرج الركب المصري من مكة بعد أن نهبت غالب جماله وأحماله، ولقو في الطريق البرد الشديد فمات غالب الحجاج، وفي سنة 962هـ انقطع الحجيج في العودة وتشتت شملهم، وكانت تسمى (سنة الشدة العظمى) لما لقوا من بلاء شديد، ونهب وسلب وقتل، وغيرها الكثير، وانقطع الحاج العراقي والشامي واليمني سنوات متتالية، وبعضها متباعدة، مما يلاقيه في طريقه من قطاع الطريق، والجوع والعطش والحر، وإما البرد والتعب.

عهد الملك عبدالعزيز (1343هـ)

منذ عام 247هـ إلى عام 1343هـ، لم يهنأ الحجاج في حجهم، ولم يجدوا الراحة والطمأنينة طيل هذه السنوات التي بلغت 1096سنة، لقي فيها الحجاج الشدَّة والتعب والقتل والنهب والسلب، ومشقة العيش، والحصول على الماء، وعدم أمن الحج وقطاع الطرق.

وتأمن الحج -ولله الحمد- من أول دخول الملك عبدالعزيز إلى الحجاز في عام 1343هـ، حيث أصدر الملك عبدالعزيز إعلان لجميع المسلمين في أقطار الأرض، نشر في جريدة أم القرى العدد 12، الجمعة 3 / 8 /1343هـ، ونقلته جريدة المنار، ونشر في أشهر صحف مصرية وسورية والهند وجاوة وغيرها، والذي أصدره في 1 شعبان 1343هـ، قال فيه: (من سلطان نجد عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود إخواننا المسلمين في أقاصي الأرض وأدانيها.. أننا نرحب ونبتهج بقدوم وفود حجاج بيت الله الحرام من كافة المسلمين في موسم هذه السنة، ونتكفل بحول الله بتأمين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم، وتسهيل أمر سفرهم إلى مكة المكرمة، من إحدى الموانئ التي ينزلون إليها وهي (رابغ) أو (الليث) أو (القنفذة) وقد أحكم فيها النظام واستتب الأمن استتباباً تاماً منذ دخلتها جيوشنا، وستتخذ من التدابير في هذه المراكز جميع الوسائل التي تكفل تأمين راحة الحجاج إن شاء الله تعالى).

وقد اهتم الملك عبد العزيز بالحج وأولاه جلّ اهتمامه وهو يؤمن تماماً أن خدمة أن خدمة الحجاج لا تتم إلا بثلاث وسائل:

  1. العناية بالأمن الكامل ليكون الحاج آمنا على نفسه وماله.
  2. الاهتمام والعناية بالصحة.
  3. تسهيل وسائل الراحة بأقصى ما تستطيع سواء في ضعن الحجاج وإقامتهم وطرقاتهم.

واهتم بذلك حكام الدولة السعودية -حفظهم الله- وبذلوا كل الجهود الممكنة لتأمين الحج، والدولة تنادي دائماً وأبداً، بأن (أمن الحج خط أحمر) وبذلت من أجله الغالي والنفيس

فمن هذه اللحظة -ولله الحمد- التي قدم فيها الحجاج في عهد الملك عبدالعزيز إلى يومنا هذا عام 1445هـ، والحجاج يحجون في أمن وسلامة وطمأنينة وراحة بال، سواءٌ في طرقاتهم، فمن رأى الحج وعهده وعانى منه في السنوات التي قبل الملك عبدالعزيز، ورأى ما قامت به الدولة السعودية، سيحمد الله، ويشكر هذه الدولة على ما تقدمه لأمن الحجاج وراحتهم، وقدمت كل ما بوسعها لراحة الحجاج، وقد كتب عن ذلك العلماء والمؤرخون والرَّحالة، فجاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وواصل مسيرة ستة ملوك خلدت بصماتهم في خدمة الحجاج وعمارة الحرمين الشريفين.

ومهما كتبنا ومهما دوَّنا فلن نأتي على عُشر العَشير مما قدمته الدولة السعودية لأمن الحجاج وراحتهم، ولو لم يكتب الكتَّاب والمؤرخون إلا عن (أمن الحج) لكفى بذلك فخراً.. والله الموفق والهادي لسواء السبيل.

ونسأل الله أن يكلل حج هذا العام 1445هـ، بالنجاح واليسر والطمأنينة، وأن يعود الحجاج إلى أوطانهم سالمين غانمين مغفوراً لهم.

وأن يجزي ولاة الأمور ورجال الأمن وكل من قام على خدمة ضيوف الرحمن خير الجزاء، ويكتب أجرهم، ويوفقهم ويسعدهم بالدارين، ويبارك لهم في أعمارهم وذرياتهم.

 

 

بقلم – عيسى بن سليمان الفيفي

السبت 9 / 12 / 1445هـ  – يوم عرفة

أمن الحج في عهد الدولة السعودية

المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى