آداب

إصرار الطير… ودرس العمر

كتبه : فهد بن إسماعيل السبعي

وأنا في سنِّ العاشرة، كنت نائمًا في بيت جدّتي، فاستيقظت على صوت الأذان حين قال والدي ـ مؤذن المسجد ـ عبر مكبر الصوت:
الله أكبر.

ما إن سمعت هذه الكلمة حتى نهضت واقفًا دون تردد، وكأنها أيقظت في داخلي معنىً لم أكن أعرفه من قبل:
أن الله أكبر من كل شيء.

توضأت مسرعًا، وانطلقت إلى المسجد. أقيمت الصلاة، فصلّى بنا الفجر، وما إن سلّم والدي واستدار على المصلين وأتم أذكاره، حتى قام من مكانه بقوة وعجلة غير معهودة.
سبقته خارج المسجد، أمشي خلفه مسرعًا، لكني لم أستطع اللحاق به.

دخل البيت، وبقيت أراقب المشهد من بعيد. بدّل ملابسه، لبس حوكه، شدّ حزامه على بطنه، وارتدى سميجه، ثم طاقيته، وربط شماغه بإحكام، وأخذ مفاتيح السيارة وخرج.

خرجت خلفه حتى وصلنا السيارة، وكان الصباح لا يزال يتفتح نوره. ضرب بيده على هيكل السيارة، خوفًا من أن يكون قط أو كلب قد احتمى بدفئها. شغّل السيارة، فتح الكبوت، تفقد الماء والزيت، ثم قال لي بصوت حازم محبّ:
هيا ، اركب… اركب .

انطلقنا حتى وصلنا مطعم القرية في منتصفها. أطلق والدي بوق السيارة ضربة واحدة، فأومأ العامل برأسه. دقائق قليلة، وجاء بالطلب. أخذناه، وانطلقنا إلى المزرعة، نسابق الوقت ونلاحق الإشراق.

ما إن وصلنا، حتى فرش والدي شماغه على الأرض وقال لي:
اجلس عليه.

جلسنا على التراب، تناولنا إفطارنا على عجل، ومع آخر لقمة أوعز إليّ أن أجمع بقايا الإفطار وأعلقها في ذلك العود.
صعد هو على السهوة — ذلك المكان الذي صنعناه معًا عودًا عودًا — بينما كنت أنا أقرب له العيدان.

بدأ يقطع الرين، ويغشّي السهوة، ثم صعد عليها وكأنه يحيّي الزرع، ويخاطب الذرة الرفيعة.
وقف هناك… كمن يصعد منبرًا، وأمامه جمهور حيّ، يتأمل بعينيه يمينًا ويسارًا، يشيّك على الذرة وسنابلها.

كنت أنا أقف على الزبير، أخفض قليلًا من سهوة والدي، وبيدي المِفْقَع — حبل متين، مقبضه سميك، وطوله بين مترين وثلاثة، نحيف من طرفه الأخير.

وما هي إلا لحظات… حتى جاءت الطيور، والهجف، أسرابًا كأنها على موعد.
بدأ والدي يصدر أصواتًا:
تاه… تاه… تاه
ثم يأخذ كدرة ويضعها في المظفاة، ويرمي بها الطيور، لا ليكسر جناحًا ولا ليجرح طائرًا، بل ليبعدها برفق عن الذرة.

وأنا أدير المفقع فوق رأسي بقوة، ثم أعكس اتجاهه للخلف، فيُحدث صوتًا مهيبًا، كان يرعبني قبل أن يرعب الطيور.
فهربت الأسراب… كلها.

إلا طائرًا واحدًا.

بقي متشبثًا بتلك السنبلة، يأكل على راحته.
رماه أبي مرة، ومرتين، وثلاثًا… فلم يتحرك.
اقتربت أنا وضربت بالمفقع ثلاث مرات… فلم يتزحزح.

ضحك والدي.
نزل من على السهوة وهو مبتسم، غرس المحش في التراب، شرب شربة ماء، ثم قال لي:

يا بُني… أرأيت هذا الطير؟

قلت: نعم.

قال:
هذا الطير جاء لنصيبه، وجاء لموعدٍ كتبه الله له.
لم يهرب من المظفاة، ولا من المفقع، لأن الله يسّر له ما كُتب له.
فثق يا بُني… أن ما كتبه الله لك ستأخذه، وما منعه عنك سيذهب، ولو سعيت خلفه.
ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يضرّوك بشيء، فلن يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.

في ذلك الصباح، علّمني والدي درسًا لا أنساه
وعلّمني ذلك الطائر حكمة لا تزول•

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى