آداب

البدر والوجدان الاجتماعي

الرياض/د. عبدالله بن محمد العمري

البدر والوجدان الاجتماعي

كما أن علماء الاجتماع تحدثوا عن العقل الجمعي والذي يشير إلى فعل أو ردة فعل تلقائية تحركها أفكار وعادات ومدخلات معرفية متشابهة إلى حد بعيد، بل تصل إلى حد التطابق في أحيان كثيرة، لذلك يمكن وضع ردة فعل أو فعل محتمل لأي مجتمع حيال أي موقف أو حادثة وفق هذه المشتركات.

ونحن هنا يمكن أن نتحدث عن حالة موازية ولكنها لا ترتبط بالعقل، وإن كانت لا تنفصل عنه، ولكنها ترتبط بشكل مباشر بالوجدان والذي يمكن أن نسميه الوجدان الجمعي في مقابل الوجدان الشخصي، هذا الوجدان الذي يتشكل بناء على عدة معطيات ومدخلات عاطفية ذوقية إنسانية، ومنها المدخلات الأدبية المرتبطة بالمادة الأدبية والشخصيات المنتجة لهذه المادية الأدبية.

الوجدان ذلك السر الكيمائي الداخلي، بل السر الرباني العظيم الذي يعيد تشكيل ملامحنا واستجابة تفاصيل وجيهنا بين ملامح فرح وحزن وانزواء وانكسار وترقب، الوجدان الاجتماعي تلك الريشة غير المرئية داخل المجتمع التي تمر على ملامحنا الاجتماعية فتعطيها شكلا عاما، صورة كبيرة تعكس حالة المجتمع.

عندما قال البدر:

فوق هام السحب وإن كنتي ثرى .. فوق عالي الشهب يا أغلى ثرى

مجدك لقدام وأمجادك ورا .. وإن حكى فيك حسادك ترى ما درينا بهرج حسادك أبد

أنتي ما مثلك بهالدنيا بلد والله .. ما مثلك بها لدنيا بلد

اهتزت كيماء الوجدان الاجتماعي واختلطت بالأرض والوطن والكلمة وعلت الأرواح فوق هام السحب، وعلت روح الوطنية إلى هام السحاب.

عندما قال البدر:

هلي الجدايل ظلليني عن الشمس .. وداري جبيني عن لهيب السمومِ

ولا تسأليني عن عذابِ مضى أمس .. أنا نصيتك هاربا من همومي.

أعملت ريشة الوجدان الاجتماعي ألوانها ولمساتها لتبدوا على ملمحنا الاجتماعي حالة التأثر بذلك الغزل العذري الذي تربع البدر على عرشه بكلماته الشعبية المغروسة في الوجدان الجمعي السعودي.

عندما قال البدر:

مرتني الدنيا بتسأل عن خبر

مابه جديد

عشاق ليله تفارقوا وصاروا بعيد

لاطاحت نجوم السما ولاتاه في الظلما قمر

لاتاقف الدنيا وتسأل عن خبر

مابه جديد

أسهل من الكذبه على شفة طفل

فرقى الأحبة يا هوى

أحلى من الحلم اللي ودي لو كمل..

أحلى من الحلم اللي ودي لو كمل..

تفاعل وجداننا الاجتماعي فمرتنا جميعا هذه الدنيا وسألتنا عن الخبر، وتخيلنا دقة التشبيه في سهولة الكذبة على شفة طفل وبين فرقى الأحبة!

وها هي الدنيا المتخيلة في وجدان البدر تأتي لتسألنا عن خبر!

لنخبرها أن إحدى مُشكلات وجداننا الاجتماعي قد رحلت. رحلت روح البدر، رحلت ونحن نحملها على كفوف دعواتنا. رحلت روح البدر إلى رحاب رب كريم رحمن رحيم.

وجهنا الاجتماعي حزين على فراق البدر، ملامحنا ذابلة، ودموعنا نغالبها لأن الوفادة على أكرم الأكرمين أعظم وفادة وأعظم عزاء.

تعازي القلبية إلى وجداننا الاجتماعي، الوجدان الذي يجمعنا من صغيرنا إلى كبيرنا من ذكر وأنثى، من أقصى قلبنا الاجتماعي إلى أقصى روحنا الاجتماعية في وطننا العظيم.

البدر والوجدان الاجتماعي

اداب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى