
الشرق الأوسط منطقة ملتهبة! ، تمزِّقها الحروب والصراعات ، وتستهدفها مخططات ومشاريع القوى المتنافسة عالمياً وإقليمياً .. والغرب المتعصب والطامع في خيراتها وثرواتها لا يشيحُ بنظره عنها! ، ولا يخفي حرصه على أن يكون الآمر الناهي فيها! ، والمتحكِّمَ في توجهاتها! ، والموجِّهَ لبوصلة الأحداث فيها! ، ولذلك سعى أن يزرع فيها كياناً وظيفياً يُزعزع استقرارها! ، ويُهددُ أمنها ، ويُؤثِّرُ على توجهات دولها وشعوبها! ، فيسعى لتمزيقها ومنع وحدتها بكل الطرق والوسائل ، ويحارب نهضتها في شتى مجالات التقدم والازدهار! ؛ لأن وحدة دولها وشعوبها هي خط الدفاع الأقوى أمام كل التحديات والمؤامرات ، ولأن نهضتها تعني القوة والقدرة والمنَعَة أمام مخططات الكيان المحتل وداعميه!.
وكانت أغلب دول المنطقة وقياداتها ينطبق عليها قول الحق سبحانه وتعالى: ( كل حزب بما لديهم فرحون ) فهم لا يبنون حاضراً مشرقاً ، ولا يستشرفون مستقبلاً زاهراً ، ولا يُعِدُّون عدة للأحداث والمتغيرات التي قد تبغتهم في أي لحظة! ، فقد ركنوا إلى العدو المتربص! ، واكتفوا بالشعارات والخطابات التي يُضللون بها الجماهير! ، بل إنهم يفتعلون المشاكل والتوترات فيما بينهم! ، وهذه السياسات الفاشلة والخاطئة والخطيرة جعلت أعداء المنطقة تزداد أطماعهم ، وتتوسع أحلامهم! في تفتيت المنطقة وتقسيمها! ، وإعادة رسم خرائطها!.. فتبنت أمريكا مصطلح ( الفوضى الخلَّاقة ) – كما أسمته وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس التي عاصرت الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الذي غزا أفغانستان والعراق – وهو مصطلح يقصد به: إحداث حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط أملاً قي إعادة تشكيلها وفق المصالح الأمريكية والصهيونية! ، وقد كان من نتائج هذا التوجه السياسي والاستراتيجي ما قامت به أمريكا وبريطانيا من غزو العراق وإسقاط نظامه! ، وتفكيك جيشه! ، وضرب نسيجه الاجتماعي! ، ثم ما حصل من دعم غربي غير محدود لثورات ما سمي بالربيع العربي! ، فقد كان الغرب يدعم الثورات الجامحة والمنفلتة التي لا رؤية لها ولا هدف سوى إسقاطُ الأنظمة ، وشلُّ مؤسسات الدولة! ، ومما يشير إلى الدور الغربي المشبوه في تلك الثورات أنه كان يحاول توسيعها لتصل إلى الدول المستقرة في أنظمتها ، وسلمها المجتمعي ، ورخائها الاقتصادي!.. فقد اُسْتُهْدِفَتْ دول الخليج ، ومارس الغرب عليها الضغط والابتزاز! رغم أن أنظمة الحكم فيها مستقرة ، وعلاقتها بشعوبها ( علاقة الأبوة الحانية! ) ، ومجتمعاتها متجانسة ومتآلفة! ، والحالة المعيشية فيها مقبولة ، والحكومات فيها تسعى إلى توفير متطلبات العيشة الكريمة لكل أبنائها! ، والمقيمين على أراضيها.
فكان الشرق الأوسط بأمس الحاجة إلى قادةٍ أفذاذ يقفون ضد مخططات الأعداء وأحلامهم التوسعية !، ويديرون المعارك مع الغرب بحكمة واقتدار ، ويحافظون على أوطانهم ومجتمعاتهم ، ويصنعون للأمة مجداً ، ويخلدون لها تاريخاً ، ويبنون لها مستقبلاً زاهراً بإذن الله تعالى.
هذه المهمة الكبرى أتى الله بربَّانِها الماهر! ، وقائدِها الباهر ، على القَدَرِ المُقَدَّر ، وفي الوقت الأنسب حاجة وتوقيتاً! ، فبعد أن كشَّر الغرب عن أنياب حقده وطمعه! ، وكشف عن سوء نيته تجاه الأمة كافة! ، والعرب خاصة! ، ففي ذلك المشهد المُعَقَّدِ ، وفي تلك اللحظة الفارقة حسمت القيادة السعودية الرشيدة أمرها! ، واتخذت قرارها! ، فاختارت ابنها البار ، وأبرزت شبلها الكرَّار! ، وفارسها البطل المغوار! ؛ ليكون درعاً للوطن! ، وسنداً للأشقاء والأخيار ، وسيفاً مصلتاً على الأعداء والأشرار!.. وكان قَدَرُ الله سبحانه وتعالى وتوفيقه يحوطان القيادة الرشيدة في قرارها الصائب ، ورأيها السديد ، وكان تأييده سبحانه وتعالى ونصره وتمكينه يفيض على سمو الأمير الشاب في كل خطوة يخطوها ، أو قرار يتخذه! ، أو مشكلة يواجهها! ، أو منازلة يضطر لها!.. حتى أصبحت أهدافه تتحقق قبل وقتها المحدد! ، وإنجازاته تتجاوز سقفها المتوقع! ، وغاياته الكبرى التي يسعى لها تدنو وتقترب وكأنها معشوقة مشتاقة لمعانقة طموحه وآماله التي تفوح شذىً وياسميناً!.
ذلكم هو سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – وفقه الله وسدده – ، الذي أعلن أن غايته الكبرى التي يسعى لتحقيقها بكل عزم وثقة بالله تعالى هي : نهضة الشرق الأوسط ليكون هو ( أوروبا الجديدة ) ، ويكون في مصاف الدول المتقدمة على المستوى العالمي ، فكانت أفعاله تسبق أقواله! ، وإنجازاته تطاول أحلامه وآماله!.. فالوطن ينمو ويزدهر ويتطور بخطىً ثابتة ومتسارعة! ، والأشقاء والجيران يتابعون بحب وفخر واعتزاز ، والعالم يرصد كل ذلك بدهشة وإعجاب! .. وأعداء الأمة يراقبون المشهد بحذرٍ وحنق ، وكيد ومكر! .. مما اضطرهم لأن يغيِّروا خططهم ، ويعيدوا حساباتهم!.
وفي ظل هذا المشهد الذي تتقاطع فيه آراءٌ ، وتتلاقى فيه مصالح ، وتتداخل فيه خيوط ورؤى من أطراف متعددة ، لا تتفق على شيء كاتفاقها على أهمية منطقة الشرق الأوسط ، ورغبة كل طرف في أن تكون له اليد الطولى فيها! ؛ ولأن الكيان الصهيوني هو ربيب الغربي عموماً ، وأمريكا خصوصاً ، فقد تلاقت الأطماع الصهيونية مع الأحلام الأمريكية بتوسيع دويلة الكيان! ، والسماح له بمد نفوذه! ، وتوسيع احتلاله للأراضي العربية! ، وإخضاع كل دول المنطقة للهيمنة الصهيونية المتوحشة!.. فشنَّ الكيان الصهيوني وبدعم أمريكي لا نظير له حرباً غير متكافئة على قطاع غزة المحاصر منذ ما يزيد على عشرين عاماً ، وكانت حرباً وحشية لا مثيل لها عبر العصور! ، ارتكب الكيان فيها الإبادة الجماعية ، والمجازر الوحشية ، فقد قتلَ العُزَّلَ ، والشيوخ ، والنساء، والأطفال! ، ودمَّر البيوت والمستشفيات ، واستهدف الأطباء والممرضين والمرضى! ، والصحفيين وطواقم الإعلام! ، وحصلت عملية تطهير عرقي! ، وتهجير قسري! ، كل هذا يحصل بإجرام وإرهاب صهيوني بغيض! ، ودعم وتواطئ أمريكي قبيح!…
ومما يزيد الغبنَ والغيظَ في النفوس أن الساسة الأمريكيون يتحدثون عن السلام في الشرق الأوسط والكيان الصهيوني يُمعن في الإبادة الجماعية ، والمجازر الوحشية! ، بل زاد غرور الأمريكان والصهاينة ليقولوا : إن السلام الذي يتحدثون عنه ليس قائماً على مبدأ الأرص مقابل السلام ، وإنما هو سلام القوة! ، أي الاستسلام والتسليم للقوة الصهيونية ، ولما تريد فرضه على المنطقة من ترتيبات تحقق أهدافها الكبرى في التوسع والنفوذ والسيطرة ، وإضعاف كل من يريد أن يقاومها!.
لقد وصل العرب إلى منعطف خطير جداً ، ومرحلة حرجة للغاية ، فإما أن يُعلنوا حرباً في توقيت خطير وخاطئ وفق كل السيناريوهات المتوقعة.
فالدول العربية في وضع لا تحسد عليه! ، والغرب سيتضامن مع الكيان الصهيوني! – وقد فعل – خصوصاً أمريكا ، وبريطانيا ، وألمانيا ، وإيطاليا.. والرافضة سيتاجرون بالقضية الفلسطينية ، ويهاجمون الدول العربية ويتآمرون عليها!.. والمنظمات والمليشيات ستبدأ تغامر وتقامر بأوطانها ومقدرات شعوبها! ، والغلو والتشدد والإرهاب سيطلُّ برأسه ، أو سَيُصْنَعُ ويُنْتَجُ سريعاً لِيَخْدِمَ المصالح الصهيونية والغربية! ، وليكون شمَّاعةً يتذرع بها الغرب والصهاينة في تبرير أفعالهم وجرائهم!.
وأمام هذا الوضع الخطير ، وفي هذه المرحلة الحرجة تصدت الدول العربية والاسلامية بقيادة المملكة العربية السعودية لهذا المخطط الخبيث بكل قوة وحزم ، وبعقلانية متزنة ، ودبلوماسية ناجحة وضاغطة ، فقد دعت السعودية إلى قمة استثنائية للدول العربية والإسلامية بتاريخ السبت 27 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 11 نوفمبر 2023م ، وتأتي تلك الدعوة والاستجابة الفورية لها استشعارًا من قيادة المملكة وقيادات الدول العربية والاسلامية لأهمية توحيد الجهود والخروج بموقف جماعي موحد يُعبّر عن الإرادة العربية والإسلامية المُشتركة بشأن ما كانت تشهده غزة حينها والأراضي الفلسطينية من تطورات خطيرة وغير مسبوقة تستوجب وحدة الصف العربي والإسلامي في مواجهتها واحتواء تداعياتها.. وقد اتخذت القمة قرارات كان من أهمها : تكليف لجنة وزارية مختصة بمتابعة تنفيذ قرارات القمة برئاسة سمو وزير خارجية المملكة الأمير فيصل بن فرحان – حفظه الله ووفقه – .
لقد قادت المملكة العالم العربي والإسلامي قيادة حكيمة في ظرف خطير وحسَّاس ، فاستطاعت أن تؤثر في المجتمع الدولي تأثيراً خدم القضية الفلسطينية على المسرح الدولي حيث تنامت مواقف الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية ، دولة مستقلة ذات سيادة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشريف ، ورفض المشروع الصهيوني الأمريكي المتعلق بالتهجير والتطهير العرقي في قطاع غزة ، وكذلك ضم الضفة الغربية.
لقد عملت القيادة السعودية بدبلوماسية عالية التأثير ، واضحة التوجه ، حيث تمكنت من إعلان قيام التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين ، ثم أعقبت ذلك بمتابعة حثيثة وتنسيق وثيق مع الدول ذات التأثير الدولي كفرنسا وبريطانيا ، ومع منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات المعنية بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط ، وقد تتوجت جهود القيادة السعودية بالمؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين الذي أقيم في الأمم المتحدة بواشنطن بقيادة سعودية فرنسية مشتركة بتاريخ 22 سبتمبر 2025 ، وقد أسفر هذا المؤتمر عن اعتماد إعلان نيويورك الذي حظي بتأييد استثنائي من الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتًا.
وهذا الإعلان الطموح يؤكد الالتزام الدولي الثابت بحل الدولتين ، ويرسم مسارًا لا رجعة فيه لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين ولشعوب المنطقة كافة.
كما نتج عن هذا المؤتمر اعتراف حوالي 160 دولة بالدولة الفلسطينية دولة ذات سيادة على حدود 1967م وعاصمتها القدس الشريف ، وكان من الدول التي أعلنت اعترافها بالدولة الفلسطينية في ذلك المؤتمر كل من : أُستراليا وبلجيكا وكندا ولوكسمبورغ ومالطا والبرتغال والمملكة المتحدة وأندورا وموناكو وسان مارينو، إلى جانب فرنسا…
وما زالت القيادة السعودية تبهر العالم بنجاحاتها وقوة تأثيرها في القرار الدولي بما يخدم قضايا الأمة ، ويحقق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأكملها ؛ آمِلَةً أن ترى كامل المنطقة تعيش عصرها الذهبي نمواً ورخاءً واستقراراً ، ومساهمةً فاعلةً في إبراز إرثها الحضاري ، وتنوعها الثقافي ، وعمقها التاريخي ؛ لتكون محط أنظار العالم : إعجاباً وجذباً ، وفرصاً واعدة لأرباب الاستثمار ، وشركات الإعمار والابتكار ، ولكل ما يحقق الأمن والنماء والرخاء لأبناء المنطقة وشعوبها ، وللعالم أجمع.
كتبه : د/علي بن يحيى جابر الفيفي
الأربعاء 12 جمادى الآخرة 1447ه.



ردٌّ على مقال الدكتور علي بن يحيى جابر – حفظه الله –
ما أروع ما خطّه قلمكم يا دكتور علي، وما أصدق ما عبّرتم عنه من رؤية ثاقبة وتحليل عميق لمشهدٍ عربيٍ وإقليمي تداخلت فيه المواقف وتشابكت فيه المصالح، حتى أصبح القارئ العادي بحاجة إلى صوتٍ حكيم يجلّي الحقيقة وسط ضجيج الأحداث… فجاء مقالك ليكون ذلك الصوت.
لقد قدمتم في هذا المقال قراءة واعية للتاريخ القريب، وتوصيفًا دقيقًا لتحديات الحاضر، ورؤية متفائلة للمستقبل، فجمعتم بين قوة الحجة وصدق الانتماء ووضوح الهدف. وما تناولتموه من دور القيادة السعودية الرشيدة – وعلى رأسها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – لم يكن مجرد ثناء، بل كان توثيقًا لحقائق يراها العالم بأسره، ودورٍ قيادي يتشكل اليوم على أرض الواقع بجرأة، وحكمة، وبُعد نظر.
كما أن الإشادة بالتحرك العربي والإسلامي بقيادة المملكة تجاه القضية الفلسطينية، ودعم حل الدولتين، جاءت في مقالكم مستندة إلى وقائع وجهود ملموسة أثّرت في القرار الدولي، وأعادت الاعتبار لقضيةٍ حاول كثيرون طمسها أو المتاجرة بها.
إن ما كتبتموه هو أكثر من مجرد مقال؛
هو شهادة صادقة على مرحلة مفصلية، ورؤية استراتيجية تُظهر وعياً عميقاً بما يحاك للمنطقة وما تحتاجه من قوة وتلاحم وحنكة قيادة.
بارك الله في قلمكم، وزادكم توفيقاً ونفعاً، وجعل كلماتكم نوراً يهتدي به القارئ، وصوتاً صادقاً يسهم في رفع الوعي، ورص الصف العربي، وتأكيد الثقة بقيادتنا الرشيدة التي تسعى لصناعة مستقبل يليق بأمتنا وتاريخها.
وتقبلوا خالص التقدير والامتنان
تحية إجلال وتقدير لقامة التحليل والإنصاف،
الدكتور علي بن يحيى الفيفي
هذا المقال ليس مجرد مقالة رأي عابرة، بل هو خارطة طريق تُفصّل بعمق وشفافية الدور التاريخي والحالي للمملكة العربية السعودية، وتُفنّد الادعاءات بحقائق دامغة لا يمكن تجاوزها.
لقد أصبتُم كبد الحقيقة في وصف هذا الدور بأنه “دين على الشرق الأوسط”. وهذا الدين ليس مقتصراً على الدعم الاقتصادي أو المساعدات الإغاثية – على عظمها – بل يتجاوزه إلى دين الاستقرار السياسي، ومكافحة التطرف، والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية في المنطقة المضطربة.
أشد ما لفت انتباهي هو تركيزكم على أن القيادة السعودية لا تعمل بمبدأ رد الفعل، بل بمبدأ “الاستباق والرؤية بعيدة المدى”. وهذا ما جعلها الملاذ الآمن والضامن لوقف التدهور في العديد من الملفات الإقليمية الشائكة
شكرًا جزيلاً لقلمكم النزيه الذي يضع الحقائق أمام القارئ بأسلوب لا يملك معه سوى الإذعان والاعتراف. إن مقالاتكم في “بصمة” تُمثل إضافة حقيقية وموثوقة للمحتوى العربي الجاد.
حفظ الله هذه القياده التي دوماً هي سند للاسلام وسلام دام عطاؤكم منارةً، وبارك الله في جهدكم
✍🏻 طالع الفيفي
سعادة الدكتور علي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أخي الحبيب لا يسعني إلا أن أُعرب عن التقدير الكبير لما خطه قلمكم في هذه المقالة المليئة بالتحليل العميق ، والقراءة الواعية للتحديات التي يمر بها الشرق الأوسط ، وما يواجهه من مشاريع تفتيت وصراعات إقليمية ودولية متشابكة ، وبالتالي حملت كلماتكم حرارة صادقة ، وغيرة حقيقية على أمن المنطقة واستقرارها ، ووعيا دقيقا بتاريخها القريب وما يحيط بها من تهديدات.
إن توصيفكم للمشهد الدولي وطبيعة التدخلات الخارجية ، وما سمي بـالفوضى الخلاقة ، يشير إلى إدراككم للكيفية التي تحول فيها الشرق الأوسط في مراحل عديدة إلى ساحة تجاذبات استراتيجية ومشاريع تتجاوز أبناء المنطقة أنفسهم ، وهو توصيف يتقاطع مع قراءة كثير من الباحثين والمتخصصين الذين يرون أن القوى الكبرى لطالما سعت لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية.
كما جاءت إشارتكم إلى تداعيات الحروب وسقوط بعض الأنظمة وتفتت المؤسسات وتنامي دور الميليشيات ، لتُظهر بوضوح أن الخلل لم يكن فقط خارجيا بل كان نتاجا لغياب الرؤية والاتساق الداخلي لدى بعض الأنظمة التي لم تستطع بناء مشروع عربي متماسك قادر على الصمود أمام العواصف .
وفي هذا السياق فقد وقفتم مطولا عند الدور السعودي خلال هذه المرحلة الحساسة وهو أمر يستحق القراءة والتأمل ، فلا شكّ أن التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة على المستويين الداخلي والخارجي أصبحت اليوم محور اهتمام عالمي لما تتسم به من سرعة في الإنجاز ووضوح في الرؤية ، كما أن نجاحها في الموازنة بين الاستقرار الداخلي وإدارة العلاقات الدولية والدبلوماسية الهادئة والفاعلة أكسبها قدرة تأثيرية متزايدة في ملفات المنطقة .
كما جاء حديثكم عن الدبلوماسية السعودية تجاه القضية الفلسطينية في إطار موضوعي يعكس واقع التحرك السياسي العربي في السنوات الأخيرة ، سواء على صعيد توحيد الموقف العربي والإسلامي ، أو على صعيد الضغط السياسي والدبلوماسي لدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، ورفض سياسات الاحتلال ، والتأكيد على الحل السياسي العادل القائم على الدولة الفلسطينية المستقلة.
إن ما أشرتم إليه من نتائج المؤتمر الدولي والاعترافات المتوالية بالدولة الفلسطينية يمثل بالفعل تحولا مهما في توازنات الملف الفلسطيني على المستوى الدولي ، ويؤكد أن العمل الدبلوماسي العربي عندما يكون منسقا ومنطلقا من موقف موحد قادر على تحقيق اختراقات ملموسة رغم تعقيدات المشهد العالم .
ومع ما حملته مقالتكم من قوة في التحليل. فإن ثمة نقاطاً تستحق الإضافة من زاوية سياسية موضوعية:
١ – إن نهضة الشرق الأوسط تحتاج تكاملاً عربيا حقيقيا لا يقوم على الشعارات ، بل على بناء منظومة مصالح مشتركة ، تشبه أو تتفوق على التكتلات الإقليمية الكبرى في العالم .
٢ – الاستقرار والتنمية وجهان لعملة واحدة فلا يمكن لأي دولة أو منطقة أن تواجه الضغط الدولي دون اقتصاد قوي ، ومؤسسات مستقرة ورؤية مستقبلية واضحة.
٣ – التعامل مع القوى الكبرى يجب أن يكون وفق معادلة المصالح المتبادلة لا التبعية ولا القطيعة فالعالم اليوم معقد ومترابط والمصالح تدار بذكاء دبلوماسي واقتصادي .
٤ – القضية الفلسطينية ستظل اختبارا أخلاقيا وسياسيا للعالم وأي جهد عربي موحد سيظل عاملا رئيسا في أي تحول إيجابي على الأرض.
أخي الغالي :
لقد جاءت مقالتكم ثرية، مشبعة بالتحليل والروح الوطنية ومشحونة بالوعي الاستراتيجي للمرحلة وهي تذكير مهم بأن المنطقة تمر بمرحلة حرجة تحتاج إلى قادة واعين وشعوب متماسكة ومشاريع عربية قوية قادرة على تجاوز التحديات وإعادة تشكيل المستقبل وفق مصالح الأمة لا وفق رغبات الآخرين.
وأن المملكة العربية السعودية قادرة بتوفيق الله ثم بقيادتنا الحكيمة من تجاوز جميع التحديات .
خالص التقدير لكم ولصوتكم الوطني الصادق ولمساهماتكم الفكرية التي تسهم في رفع الوعي وتعميق النقاش حول قضايا المنطقة ومصيرها.
مع شكري وتقديري لك يا أبا عبدالرحمن .
د. يحيى الفيفي.