مقالات

سيرة فضيلة الشيخ القاضي الدكتور: محمد بن موسى العمري

إعداد الشيخ :عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ أبو جمال

سيرة فضيلة الشيخ القاضي الدكتور: محمد بن موسى العمري

 للنجاح والتفوق عوامل عدة، منها عوامل ذاتية، وعوامل خارجية، ومن العوامل الذاتية الذكاء والفطنة والعزيمة والهمة العالية، واما العوامل الخارجية فهي عوامل مساندة تأتي عن طريق المحيط، سواء من الابوين والاسرة والمعلمين والمجتمع، هذه العوامل إذا اجتمعت او معظمها عند احد، تجده منافسا على المقدمة وعلى المراتب الاولى في النجاح والتفوق.

 اتيحت له بحمد الله وفضله معظم هذه العوامل، من مواهب ذاتية منحه الله اياها، ثم بفضله هيء له من يسانده ويحفزه من محيطه، سواء في بيئته الاولى في هذه الحياة، حيث رزقه الله ابوين صالحين حريصين عليه، ومنحه من بعدهما اياد حانية صالحة تلقفته ووجهته، وتعاهدته بالعناية والرعاية على مدى مسيرته، من المعلمين الفضلاء والمشايخ الاجلاء، ممن تعاهدوه برعايتهم وتوجيهاتهم، عندما استشرفوا فيه عوامل النبوغ والذكاء والجدية، وما يتميز به من لبنة صالحة قوية، وتظافرت كل هذه العوامل بتوفيق الله، ثم مع دعوات الوالدين الصالحة، التي لا شك أن لها دور فعال وايجابي في مسيرته، وتميز بأنه انسان ايجابي جاد، استوعب الواقع، وحدد مساره، وميز اهدافه، ثم سعى بكل جد إلى تحقيقها، والى وصول القمة فيها، بعد أن اختط له طريقا ومسلكا واضحا فيها، لا يحيد عنه ولا يتوان فيه، سلكه بكل قوة وعزيمة ومضاء، وبذل كامل جهوده في سبيل ذلك، ولذلك استعان بربه وحفظ وقته، وجد واجتهد وصبر وصابر، فوجد بفضل الله وتوفيقه النجاح والتفوق والرقى وما يزال، رفع الله قدره واعلى شانه، وزاده فضلا وعلما وتوفيقا.  

أنه فضيلة الشيخ القاضي الدكتور :

محمد بن موسى بن محمد بن حسن العمري الفيفي .

والده كما يتضح من الاسم، هو موسى بن محمد بن حسن علي العمري رحمه الله، على قدر لا باس من العلم، تعلم اولا على يد والده مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثم سافر في بداية شبابه إلى مكة المكرمة، وعمل هناك في مشروع توسعة المسجد الحرم الاولى، وكان يعمل بالنهار ويدرس في الليل، حيث التحق ببعض المدارس الليلة، وكان يلازم حلقات الوعظ والارشاد والتعليم في اروقة المسجد الحرام ، حتى نال بحمد الله نصيبا لا باس به من العلوم، فلما عاد إلى بلدته فيفاء بعد سنوات، كان يملك حصيلة جيدة من العلم، ولذلك عمل إماما لمسجد القفلي المجاور لبيته، واستمر في عمله هذا لما يزيد عن ثلاثين سنة اماما ومعلما، ومن تقديره للعلم ومحبته له، حرص على تربية اولاده خير تربية، وتنشئتهم على افضل ما يمكن من العلوم والاخلاق والتدين، فكان يصحبهم معه إلى مسجده في كل الفروض، ويرتب لهم اوقاتهم في استذكار دروسهم، واداء واجباتهم المدرسية، ويحوطهم بالرعاية التامة، والاهتمام الكامل، ولا يجعلهم يحتاجون إلى شيء وهو قادر على توفيره، مع ظروفه المحدودة وشح ذات اليد، فلم يكن له مصدر دخل إلا مكافأة المسجد المحدودة، وشيء يسير من المصادر البسيط التي يحصّلها من العمل لدى الاخرين في مزارعهم، كان على قدر كبير من الاخلاق وحسن التعامل، وتميز بالصدق والامانة وحب الخير، فكان المؤتمن على وثائق الناس المهمة، يودعونها لديه ليحفظها لهم، حتى أن كثير من هذه الودائع أعيدت إلى اهلها بعد وفاته رحمه الله، كان شغوفا بالعلم وطلبه، ويقتني شيء من الكتب ليستفيد من محتواها، حيث امتلك شيء من الكتب في العلوم الشرعية، في الحديث والتفسير والتوحيد وفي الأدب والسيرة، منها ما كان في بيته وبعضها في مسجده، ولكن كان لوجودها في بيته وفي تعامله الدائم معها، دور وتأثير كبير على تعلق ابنائه بها، فقد كانت النواة الاولى في غرس حب العلم وطلبه لديهم، فما أجمل أن يحرص الأبوين على أن يجعلا في بيتهما شيء من هذه الكتب، فقد لا يدركان مدى أثر ذلك في ابنائهما ولو بعد حين، وكان رحمه الله قدوة لأبنائه في فعل الخير، وفي البر والتقوى والصلاح، ومن ذلك أنه اشد حرصا على فرائضه الدينية، حتى أنه في رمضان ينقطع تماما عن كل ما قد يشغله عن عبادته فيه، فكان يترك عامدا كل الاعمال الحياتية، وفي مقدمتها كثير من الاعمال الضرورية في مزرعته، ليتفرغ فيه للصوم وتلاوة القرآن الكريم والاعتكاف، حتى أنه يختم القرآن الكريم في كل ثلاث ليال، واستمر ذلك ديدنه ومنهجه، إلى أن وافته المنية في سنة 1419هـ، بعد مرض عضال ألم به ولم يمهله طويلا، رحمه الله وغفر له، وثقل بكل ذلك موازين حسناته، واصلح ذريته وبارك فيهم ونفع بهم.

واما امه فهي الفاضلة: عائشة بنت أحمد حسن العمري حفظها الله، التي قاسمت زوجها أبن عمها، حياته ومعيشته في كل احوالها وتقلباتها، وكانت وما زالت نعم المربية لأبنائها، تبذل وتعطي وتربي، وتقدم لهم الخير وتحثهم عليه، ولا تفتر تدعو لهم بالتوفيق والصلاح، حفظها الله واطال على دروب الخير عمرها، واقر عينيها بهم، وختم لها بالصالحات.

ولد لهذين الفاضلين في بيتهما الخطوة، في وسط جبل قبيلة العمريين بفيفاء، وسمي بهذا الاسم (الخطوة)، نسبة إلى موقعه المتميز، على حافة ضلع هذا الجبل، فإذا ما خطوت خطوات إلى الغرب، كانت الاطلالة على غربي العمريين، وبقعة آل حسن قاسم (الداثري والمخشمي)، واذا ما خطوت خطوات في الجهة المقابلة شرقا، كانت الاطلالة على شرقي العمريين وقبيلة الدفرة.

 ولد لهما في عام 1395هـ، بعد أختين توفيتا صغيرتين ، فكان هو أكبر إخوته الأحياء، حيث لحق به من الأخوة أربعة أبناء وابنتان، ونشأ في هذه الأسرة المباركة، اسرة مستورة الحال، بمعيار محيطها في تلك الفترة، ونشأ فيها تنشئة صالحة هو واخوانه، فالأبوان يحوطانهم بالرعاية والحفظ، وكان والدهم يصطحبهم معه دوما إلى المسجد في كل الصلوات الخمس، ولم يكونا يسمحان لهم باللعب كثيرا خارج المنزل، حفظاً لهم وصيانة لوقتهم من الضياع، ويشجعانهم على تحقيق اعلى درجات التفوق والنجاح في دراستهم، فتربى على هذه الجدية والحزم في كل اموره، وعلى التقوى والصلاح في كل حالاته، وفي عدم التفريط في ضياع وقته دون ما فائدة، حتى اصبح ذلك ديدنه واسلوبه في الحياة فيما بعد، حفظه الله وحفظ والدته ورحم والده العظيم وجزاهما الله كل خير.

تعليمه :

   أخر والده الحاقه بالمدرسة قليلا، لتعثر صحته في بداية حياته، ولذلك لم يلحقه بالمدرسة إلا في عام 1403هـ، رغبة في أن يكون في معية أخيه عبدالرحمن الأصغر منه (رحمه الله)، وسجلهما في مدرسة القعبة الابتدائية، القريبة في موقعها من بيتهم الخطوة، فكانا يذهبان للمدرسة ويعودان منها مشيا على الأقدام، وما أسرع ما الف المدرسة وألف الزملاء والمعلمين، وأحب الدراسة وتفوق فيها على معظم زملائه، وتدرج في فصولها عاما بعد عام، إلى أن تخرج من الصف السادس الابتدائي في العام الدراسي 1408/1409هـ، ليتجه هو وأخيه بعد ذلك لمواصلة دراستهما في المعهد العلمي بفيفاء، ولم يبعد كثيرا عن بيتهما، فهو في منطقة نيد الضالع القريبة منهم، وأقبلا على دراستهما بكل رغبة وجدية، وانسجم مع المواد المقررة من العلوم الشرعية واللغة العربية، وكان المعهد العلمي بفيفاء حينها، في أوج قوته ونشاطه، مما كان له أكبر الأثر على تكوين شخصيته، حيث تلقى على عدد من أساتذته الافاضل التعليم والتربية والتوجيه، وعلى التشجيع والتحفيز لمواصلة دراسته بعد التخرج، وكمثال على بعض من تلك الاساليب العظيمة التي وجدها، ما كان يكتبه بعض أساتذته على كراسة الواجب من العبارات، كقولهم : (وفقك الله، وبارك الله فيك، وعقبال الماجستير)، ومثل هذه العبارات قد لا يلقي لها البعض بالا، ولكنها في الواقع من أعظم الجمل التشجيعية، ويكون لها أكبر الأثر في نفسية الطالب، حيث لا تلبث أن تكون بذرة تنمو مع الوقت، وتتحول إلى قناعة راسخة لديه، ويكون لها أكبر الأثر في مسيرة الطالب فيما بعد، وكان للمعهد في تلك الفترة تحت إدارة مديره الشيخ عبد الله بن حسن العمري الفيفي أنشطة علمية متعددة، ورحلات دعوية متواصلة يتم التنسيق لها مع إمارات المناطق والشرط في المناطق والقرى المستهدفة ، حيث يقوم معلمو المعهد برفقة نخبة من الطلاب خلالها بزيارة بعض القرى النائية، والجبال البعيدة، ويتم خلالها عقد حلقات تعليمية للناس الأمّيين، في مثل صفة الوضوء، وفي أحكام الصلاة، ونحو ذلك من أساسيات الدين، وسعد بأن كان أحد هؤلاء الطلبة المشاركين في كثير منها، حيث تعلم الدعوة واساليبها، كما تعلم فيها روح العمل الجماعي ، وتعلم من خلال احتكاكه بمعلميه فيها، من سَمتهم وخلقهم وتواضعهم، قبل أن ينهل من علمهم وثقافتهم، مما كان له الاثر الكبير الذي لا ينكر في صقل شخصيته.

   ومن اعظم الرحلات التي لا ينساها في المعهد العلمي، رحلات العمرة إلى مكة المكرمة، وما اعظم تأثير هذه الرحلات على الطالب، سواء التأثيرات الروحانية، والمشاعر الإيمانية، مما يقوى إيمانه ويزيد تمسكه بدينه، مع ما يتعلمه من معلميه من تعاملهم قبل تدريسهم، وفيها يتعود الطالب بشكل عملي على المحافظة على اداء الصلاة في المسجد في وقتها، مع المبادرة والتبكير إليها، وفيها يتعود على النوافل وعلى قيام الليل، اضافة إلى تعلمه مناسك العمرة وواجباتها وسننها عمليا، والشيء الذي لا ينساه في إحدى تلك الرحلات، هو ما تم تنظيمه لهم من زيارة فضيلة قاضي التمييز بمكة المكرمة، فضيلة الشيخ/علي بن قاسم الفيفي (رحمه الله تعالى)، واستقباله لهم وحفاوته بهم، وتوجيهاته ونصائحه الابوية، التي كان لها أكبر الأثر على جميع الطلاب، وعليه هو بالذات، حيث استعاد من خلال هذه الزيارة بعض ما اختزنته ذاكرته عن الشيخ، وبالذات عند حضوره الحفل المهيب الذي أقامه أهالي فيفاء لفضيلته، عندما تمت ترقيته إلى قاضي تمييز، وقد كان لذلك الحفل أثرٌ كبيرٌ في زرع الحافز في نفسه، وفي الحرص على طلب العلم، والاقتداء بالقدوات من أهالي فيفاء امثال هذا الشيخ (رحمه الله)، حيث برزت في هذه الاحتفالية صورة المحتفى به، وصورة عدد من قامات فيفاء المشاركين، والكلمات التي ألقيت في ذلك الحفل، ومما يذكره من تلك الزيارة لمنزل الشيخ في مكة، ما اهداه لكل طالب منهم من مؤلفاته القيمة، التي سعد بها، وقرأها بكل شغف ولهفة، مستفيدا مما ورد بها من علم ومعلومات، اضافة إلى التوجيهات القيمة التي سمعوها من فضيلته في مجلسه، ومما لا يزال عالقا بذاكرته من تلك الزيارة، دخول أحد أبناء الشيخ عليهم في المجلس، الذي كان في سنهم، وتعريف الشيخ به قائلا هذا ابني (حافظ)، سماه على اسم شيخه حافظ الحكمي، ثم يستطرد قائلا (تمر السنين لألتقي مع حافظ فيما بعد، على كراسي الدراسة، في كلية الشريعة بالرياض، ونكون متجاورين في السكن الجامعي) ويثني على  تميز حافظ وفي اخلاقه وتعامله وروحه الأدبية، وكان لذكر الشيخ حافظ الحكمي (رحمه الله) في هذا المجلس، أثر لم يفوته كطالب علم حريص، حيث بعد عودتهم من بيت الشيخ إلى مقر اقامتهم بمكة، بادر في الحال للبحث عن كتب فضيلة الشيخ حافظ، في المكتبات القريبة من الحرم، ليعود من تلك الرحلة إلى فيفاء يحمل كنزا ثمينا من الكتب، مما اهداه له فضيلة الشيخ علي بن قاسم، ومن كتب فضيلة الشيخ حافظ الحكمي التي وجدها في مكتبات مكة المكرمة.

   ويلفت إلى اهمية مثل هذه الزيارات، وما تخلفه في نفوس النشئ وهم في مستقبل حياتهم من قدوات، فيقبس الطالب من هؤلاء الكبار العلم والخبرة والتجربة، فرب كلمة لا يلقي لها بالا، تكون سببا في هداية وتوجيه أحدهم، أو المشاركة في صنعه ليكون ذا شأن في المستقبل، ينفع نفسه وأهله ووطنه وأهل ملته.

 بالطبع في المعهد انخرط في جميع الانشطة المتعددة، وتدرب فيه على الخطابة والإلقاء، وكان متميزا في دراسته المنهجية، حيث كان لا يتنازل عن الترتيب الأول، والمنافسة عليه في كل سنواته الدراسية، ليكمل المرحلة المتوسطة في نهاية العام الدراسي 1411/1412هـ متفوقا، وليواصل بالطبع دراسته في المرحلة الثانوية في نفس المعهد، وسار على نفس النهج والاسلوب، بل زاد اهتماما واجتهادا، حتى أنه في الصف الثالث الثانوي، وقد كانت ترد أسئلة الاختبارات فيه من الجامعة، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض، وتصحح كذلك الاجابات في نفس الجامعة، حيث كان نجاحه فيها بتفوق، بل حصل على الترتيب الأول على مستوى المعاهد العلمية بالمملكة، وبذلك اعتبر أول طالب من المعهد العلمي بفيفاء يحصل على هذا الترتيب، مما كان له أكبر الأثر على طموحه ونظرته إلى الاعلى، ودفعته إلى مواصلة تفوقه ونجاحه وسعيه المستمر إلى المعالي.

الدراسة الجامعية:

 قرر التوجه بعد نجاحه من المعهد إلى مدينة الرياض، رغبة منه في الالتحاق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، رغم أن شقيقه عبدالرحمن ـ وقد تخرجا سويا ـ ، اتجه لإكمال دراسته في مكة المكرمة، والتحق فيها بجامعة ام القرى قسم الكتاب والسنة، واما هو فكانت قناعته الالتحاق بكلية العلوم الشريعة لا غيرها، فاتجه لمقصده مباشرة، وتم قبوله في هذا التخصص، وأعانته درجاته وتقديره المرتفع، فتميز في دراسته وسهلت له كثيرا من اموره الاخرى، حتى في حصوله على السكن بسرعة في هذه الجامعة، وكان معظم الطلاب يتأخرون في الحصول على السكن للزحام الشديد، ولكن شفع له تفوقه في هذا السبيل، وسارت به الامور على خير ما يرام، وبالذات والاسكان حينها كان مهيأ بكل وسائل الراحة والتحفيز، موفر فيه للطلاب أرقى الخدمات، ومهيأة به كافة سبل الراحة، لكي يستطيع الطلاب مواصلة دراستهم الجامعية بكل يسر وسهولة، حيث تميز الاسكان بالتنظيم التام، والحرص على إقامة المحاضرات الدورية في المسجد، واستضافة بعض المشايخ من أعضاء هيئة كبار العلماء، كسماحة المفتي العام عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ صالح الفوزان حفظهما الله وغيرهم، كما يتوفر في الإسكان ناد للطلاب، يمارسون فيه هواياتهم، ويستفيد الطالب الجاد من بعض الدورات التدريبية التي تعقد، منها ما يكون في تعليم اللغة الإنجليزية، أو في تعليم بعض المهن المفيدة، كالإلكترونيات ونحوها، بالإضافة إلى وجود مكتبة عامرة داخل الاسكان، وفي القرب كذلك توجد المكتبة المركزية والكليات الجامعية.

    كانت الدراسة في الجامعة مختلفة بالطبع عن ما سبقها، وفيها كثير من الانضباط، وبالذات في كلية الشريعة، حيث فيها القوة والكثافة في التدريس، وتختلف عن كثير من الكليات، فعدد محاضراتها لا تقل عن ست محاضرات في كل يوم، وفي كل المستويات، من السنة الأولى إلى اخر سنة فيها، لذلك لا يجد الطالب الجاد فراغا للاستجمام خارج السكن الجامعي، اضافة إلى عدم وجود وسيلة نقل مساعدة، ولا حتى امتلاكه وسيلة اتصال، وهذه وأن كانت تعد نقطة سلبية تؤثر في نفسية الطالب المغترب عن اهله، ولكنها في نفس الوقت فيها كثير من الايجابيات، فتحافظ على وقت الطالب وتجعله يتفرغ تماما لدراسته، ولذلك يصرف فيها كامل طاقته وجهوده، وقد خرج من هذه التجربة بفائدة فحواها، أن على الوالدين أن  يدركا أن توفير كل متطلبات الابن ليست كلها ايجابية، بل قد يكون فيها شيء كثير من الاضرار بمصلحته، حيث أن في منعه احيانا من توفير كل المتطلبات، منفعة كبيرة له، بل وحتى أن في نقص المادة بين يديه، مصلحة قد تحول من انطلاقه غير المقنن وغير المحمود، ولكن المطلوب هو التوسط والاعتدال، فالطالب لا يستغني بالكلية عن وجود شيء من الترويح عن نفسه، وبالذات في عطلة آخر الأسبوع، وهو لا ينسى في هذا الجانب الدور الكبير الذي لقيه من بعض الفضلاء، الذين لم يكونوا يألون جهدا معه، ومع غالب الطلاب المغتربين حينها، ولا ينسى في مقدمتهم الدكتور الشيخ عبدالرحمن بن حسين المشنوي حفظه الله، الذي كان يتلقاهم في العطل القصيرة، ويحوطهم بكرمه وتوجيهاته السديدة، وبالنصح والإرشاد، بل ويصحبهم لزيارة بعض العلماء وحضور دروسهم، التي يعقدونها في بعض مساجد مدينة الرياض، وكان ذلك ديدنه معه ومع غالب الطلاب امثاله، إلى أن تخرجوا من الجامعة، فجزاه الله خير الجزاء، وبارك فيه وفي أمواله وذرياته، وكان لهذه الادوار عليه وعلى الاخرين اكبر الاثر، في الانس وتجديد النشاط، لمعاودة الجد والاجتهاد، وفي تحفيزهم على المنافسة على المراتب الاولى، وتشجيعهم وتدريبهم على مخالطة الناس، والاحتكاك بأهل الفضل من العلماء، وكان مردودها واضحا على هؤلاء الاخوة، حتى أن غالبيتهم نشطوا في مجال الدعوة، وفي الاعمال الخيرية، وانتسبوا فيما بعد إلى الجمعيات الخيرية، وكانت لهم مساهمتهم الفاعلة في خدمة مجتمعاتهم.

ترقى في دراسته، وتجاوز كل معوقاته النفسية والمعنوية والمادية، حيث سعد بالدراسة في هذه الكلية، وتلقى العلم على ثلة مباركة من أصحاب الفضيلة العلماء، الجهابذة المتخصصين في العلوم الشرعية، مواصلا ما سار عليه من قبل في المعهد، من المنافسة الجادة على المراتب الاولى، حيث تدرج على مدى هذه السنوات، يتنقل بين اقسام الكلية ومستوياتها، إلى أن تخرج منها في نهاية العام الجامعي1419هـ، محرزا التفوق بتقدير ممتاز.

    وبعد تخرجه ولظروفه المادية الصعبة، التي كان يمر بها في تلك الفترة، وبالذات وكان ذو زوجة ويعيل اسرة، فكان في اشد الحاجة إلى دخل ثابت، ومصدر رزق يعينه على ظروفه الحالية، ولذلك كانت اول اولوياته هي البحث عن عمل وظيفي، ومن اجل ذلك سعى إلى التقديم على ديوان الخدمة المدنية، ولكنها رفضت طلبه لكونه ضمن المرشحين للقضاء من الجامعة، وكانت ملفات هؤلاء المرشحين تحال مباشرة من الكلية إلى وزارة العدل، ولكنه لم يكن راغبا في العمل في سلك القضاء، حيث اتجه إلى وزارة العدل يطلب إعفاءه من هذا الترشيح، واصر على رفضه نهائيا، إلى أن تم أخيرا الموافقة له على الاعفاء، وحينها استكمل اوراق توظيفه في الديوان، ورغب في العمل في مجال التعليم، حيث صدر قرار توجيهه معلما في محافظة القنفذة، منطقة مكة المكرمة، ولكن وكما قيل (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)، ففي أثناء تردده في تلك الفترة ما بين إدارة الجامعة وكلية الشريعة، وهو يطالب بإخلاء طرفه، كان يمر في طريقه من أمام المعهد العالي للقضاء، ولم تكن له حينها أي نية في مواصلة دراسته، نظرا لانشغاله بظروفه المادية الحالية، واحتياجه الشديد إلى عمل وظيفي، اكثر من أي شيء آخر في هذا الوقت، ولكنه في احد الايام واثناء مروره المعتاد امام المعهد، صادف أحد زملائه في الكلية يخرج من المعهد، واخبره بانه تم قبوله طالبا في هذا المعهد، ليحصل على درجة الماجستير، وكان يعرف أن نسبة زميله هذا لا تتجاوز (82 %)، بتقدير جيد جيدا، في حين أنه هو حاصل على تقدير ممتاز، فكأنه تنبه حينها في مدى تفريطه في حق نفسه، وكيف أنه كان مغيبا عن هذا الأمر، وندم على نظرته القصيرة، وكيف لم يخطر بباله فكرة مواصلة دراسته من قبل، فاذاً لماذا لا يصحح الوضع وهو مقدور عليه الان، وكيف لا يلتحق بالدراسات العليا وهو مؤهل بتقديره العالي، ولام نفسه كيف منعه ظرفه المادي وحرصه على البحث عن الدخل، وهو يؤمن تماما بأن الله هو الرازق المتكفل المدبر، وتمثل في تلك اللحظة بقول الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس عيبا      كنقص القادرين على التمام

     لذلك وجد نفسه في صباح اليوم التالي، وهو يدلف إلى داخل المعهد العالي للقضاء، يقدم أوراقه كاملة يطالب بقبوله في المعهد، وارفق معها توصية من سماحة الشيخ المفتي عبد العزيز بن باز(رحمه الله)، وجرت الامور بكل سلاسة، واستكمل الاجراءات والمقابلات الاساسية، إلى أن تم قبوله طالبا في قسم السياسة الشرعية، وشعر بالسعادة المتناهية، ومن ساعتها صب جل جهده وعزيمته في تحصيله العلمي، وشرف بتلقيه العلوم في هذا المعهد المبارك، على ثلة مباركة من العلماء الافاضل، يأتي في مقدمتهم فضيلة الشيخ عبد الله الغديان عضو هيئة كبار العلماء (رحمه الله)، وفضيلة الشيخ عبد الله المطلق عضو هيئة كبار العلماء (حفظه الله)، وغيرهم من العلماء الاجلاء، ومضت به الايام والاعوام وهو يواصل ترقيه ونجاحاته، ويقدم بحوثه ويجد ويجتهد في تحصيله، إلى أن اكمل بحمد الله وتوفيقه دراسته المقررة، ليتخرج بعدها من هذا المعهد بكل تفوق، ويحصل في عام 1422هـ على شهادة الماجستير في السياسة الشرعية.

    وحينها التحق بالعمل الحكومي ليتم توظيفه مباشرة على وظيفة باحث قانوني بالمرتبة الثامنة في ديوان المظالم، في دائرة التدقيق، قبل أن يصدر الامر الملكي بتعيينه في السلك القضائي ـ على ما سيأتي تفصيله ـ وحيث قيل قديما كفى بالقضاء شغلا فقد كاد ينسى طموحاته العلمية، ويغفل عن رغبته في استكمال دراساته العليا، حيث لم يشعر إلا والسنين قد مرت من بين يديه سريعة، ومازال يراود في مكانه لا يبرحه، إلى أن شاء الله أن تتحرك من جديد كوامن الحلم القديمة في نفسه، وتراوده فكرة استكمال هذه المسيرة العلمية، فقوى من عزيمته، واستحث نفسه على خوض غمار الدراسة والبحوث، فتشجع وقدم اوراقه طالبا دراسة الدكتوراه، وراسل في عام1437هـ جامعة أم القرى في مكة المكرمة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وتم قبوله المبدئي في كلا الجامعتين، وأبلغ بالقبول فيهما في العام الجامعي 1438هـ، فاختار التوجه إلى جامعة أم القرى لكونها الأقرب لمقر عمله وسكنه في جده، وفيها وجد عدد المقبولين معه اثنا عشر دارسا، ولكنه صدمه فيها أن عمادة الدراسات العليا تشترط تفريغه الكامل من عمله لمدة خمس سنوات، وكان هذا الشرط بالنسبة له شبه مستحيل، ولذلك اتجه من فوره إلى جامعة الإمام بالرياض، التي كانت شروطها معقولة ومقدور عليها، فلم تكن تشترط إلا تفريغه للدراسة الاكاديمية، التي مدتها فصل دراسي واحد، ولهذا استبشر واكمل اجراءات القبول فيها، ثم استطاع بالتفاهم مع مرجعه ( ديوان المظالم )، على ندبه لمدة ستة اشهر إلى المحكمة التجارية في الرياض، حيث كانت كافية بكل راحة على استكمال شرط الحضور المطلوب، وبعد أن أنتهى بنجاح وتفوق من دراسة هذا الفصل الأكاديمي، عمل على تسجيل موضوع رسالته العلمية، وقدمه في شهر رجب من عام 1439هـ إلى قسم السياسة الشرعية، وكان تحت عنوان (أحكام وإجراءات إعادة التنظيم المالي للمدين، دراسة مقارنة)، حيث صدرت موافقة عمادة الدراسات العليا على اعتماده، وتم قبول العنوان والخطة في شهر رمضان من عام 1441هـ، ليشرع بعدها في جمع المعلومات وفي كتابة الرسالة، ولم تكن عملية سهلة، بل بذل فيها جهدا مضاعفا، وكانت المراجع لأجزاء من هذه الرسالة باللغة الإنجليزية، لكونها تتضمن مقارنة بين نظام الإفلاس السعودي وقانون الإفلاس الأمريكي، وهدف من ورائها إلى تحديد مفهوم (إجراء إعادة التنظيم المالي) في نظام الإفلاس السعودي، وبيان التأصيل الفقهي لها ، وبيان موقف المنظم من تعثر المدين أو إفلاسه، والإجراءات التنظيمية والقضائية للأخذ بيده وانتشاله إلى بر الأمان، مع دراسة الآثار المترتبة على تعثر المدين أو إفلاسه، وتأصيلها فقهاً ونظاماً، وبيان أحكام القضايا والمسائل المستجدة في ذلك، وكيفية التعامل معها.

وعلى وجه الخصوص فقد بحث بكل اجتهاد، وسعى في بيان ما يتعلق بأحكام إجراء إعادة التنظيم المالي وتسلسلها، من التقدم بطلب افتتاح الإجراء إلى إنهاء الإجراءات، والآثار المترتبة على كل إجراء يتم بشأن الدعوى، من قيدها الاولي إلى البت فيها بحكم نهائي.

وإذا كان نظام الإفلاس الجديد، قد وضع أمام المدين المفلس أو المتعثر سبع خيارات، ليلجأ إلى أنسبها لوضعه المالي، كمنقذ له مما أحاط به من إفلاس أو تعثر، أو اضطراب مالي، وسمى المنظم كل خيار منها إجراء، ولذلك فقد أفرد في هذه الأطروحة دراسة إجراءين جديدين، تم وضعهما من قبل المنظم لأول مرة، مع أنه لم يجد ( ذكر ذلك في مقدمة بحثه) أثناء وضع الخطة أي دراسة أكاديمية سبقته، ولذلك حرص في دراسته على تناول كل ما يتعلق بإجراء إعادة التنظيم المالي لكبار المدينين وصغارهم، اللذين أفرد لهما المنظم الفصلين الرابع والسابع من نظام الإفلاس، فحرص هو على الاستفادة من تجربة بعض الدول الأخرى التي لها تشريع سابق في هذين الإجراءين؛ وعلى وجه الخصوص تجربة الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت السباقة لاستحداث إجراء إعادة التنظيم المالي، من قبل أكثر من قرن من الزمان، وتزامن العمل بنظام الإفلاس مع فترة كتابة هذه الدراسة، حيث باشرت دوائر الإفلاس في المحاكم التجارية تطبيق أحكام النظام الجديدة، على القضايا المقامة أمامها، ومن هنا شرع في جمع ما يتعلق بموضوع البحث من التطبيقات القضائية، في مختلف المحاكم التجارية، ليتوفر لديه منها نحو اكثر من مائة تطبيق قضائي، قام بدراستها والتعليق عليها، كُلٌ في موضعه المناسب من هذه الدراسة .

 وكما هو متعارف بدأ الرسالة بتمهيد، عرف فيه بمفردات عنوان البحث، وبالألفاظ ذات الصلة، وأهداف النظام، وأنواع المدينين، والتطور التاريخي لإجراء إعادة التنظيم المالي، ثم شرع في صلب الرسالة، تحدث عن فئات المستفيدين من سريان إجراء إعادة التنظيم المالي، وعن شروط إجراء إعادة التنظيم المالي، وإجراءاته، وحالاته، وبيان آثار افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي بنوعيه ، وختم البحث بما يتعلق بإنهاء إجراء إعادة التنظيم المالي، والآثار المترتبة على الإنهاء، وطرق الطعن على الأحكام والقرارات الصادرة في إجراء إعادة التنظيم المالي، سواء صدرت من المحكمة، أو من لجنة الإفلاس، أو من الأمين، أو من المدين، أو من الجهة المختصة، وتبين له من خلال البحث أن إجراء إعادة التنظيم المالي يُعرّف بأنه (وسيلةٌ تهدف إلى تمكين المدين من تنظيم أوضاعه المالية، ومعاودة نشاطه المالي؛ عن طريق تيسير التوصل إلى خطةٍ مع دائنيه تحت إشراف الأمين).

 وخلص إلى نتائج من اهمها، أنه يجب على المدين البحث عن المشكلة الحقيقية، التي أدت به إلى مواجهة هذه الصعوبات المالية، لكي يستطيع اخذ قرارا مستنيرا؛ إما بالمضي في إجراء إعادة التنظيم المالي أو الاتجاه إلى إجراء آخر أكثر مناسبة له، أما الاتجاه إلى التصفية أو التسوية الوقائية، وغيرها من الحلول المرنة ليستطيع الخروج بطريقة غير مجحفة به ولا بالطرف الاخر.

واقترح توصيات تتناسب مع كثير من الاشكالات الخاصة في النظام لدينا، ومنها معالجة مسألة سريان أحكام نظام الإفلاس على المدين المعتزل لنشاطه، وكذلك ما يتعلق بمدى سريانه على الأشخاص الذين يتسترون على أشخاص آخرين، هم الذين يمارسون فعليا الأعمال التجارية أو المهنية، أو الأعمال الهادفة إلى تحقيق الربح، حيث ينص نظام الإفلاس على الممارسة كشرط لسريان أحكامه على المدين، مما قد يكون مدخلا للشخص الظاهر بالدفع بعدم سريان النظام عليه، بذريعة أنه لم يمارس فعليا أية أعمال تجارية أو مهنية أو ربحية، كما أوصي بأن يقوم المنظم بإضافة ما يتعلق بأحكام طلب سحب الدعوى، حيث خلا النظام من بيان الأحكام المتعلقة بهذا الطلب، وغيرها مما استشفه من الواقع الفعلي والدراسات الميدانية.

وسارت معه الامور بحمد الله على خير ما يرام، واكتملت الرسالة على ما يرغب، وسلمها إلى المعهد العالي للقضاء، في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، في حوالي منتصف هذا العام 1444هـ، وبعد اتخاذ الاجراءات النظامية حدد له موعد المناقشة، في يوم الاربعاء الموافق 14/9/1444هـ، حيث تمت المناقشة العلمية على افضل وجه، لتمنحه لجنة المناقشة الدرجة العلمية المستحقة بتقدير امتياز، وفقه الله وبارك فيه وفي علمه ونفع به.

العمل الوظيفي :

  لم يبدأ مشواره الوظيفي إلا في عام1422هـ، رغم أنه قد حرص وسعى جاهدا للبحث عن عمل قبل ذلك، بعد اكماله للدراسة الجامعة في عام 1419هـ، كما اوضحنا لظروفه الشخصية الخاصة حينها، مع أنه حينها قد رفض ترشيحه للقضاء تورعا منه، ولكنه تغلب على ظروفه المادية وصبر، رغبة في مواصلة دراسته العليا، وعندما اتمها بنجاح وحصل على درجة الماجستير، تم تعيينه حينها ودون سعي منه، فوجه للعمل باحثا قانونيا بالمرتبة الثامنة في ديوان المظالم، في دوائر التدقيق (الاستئناف حاليا)، حيث باشر عمله فيها من تاريخ1/8/1422هـ، وبعد فترة كلف بالعمل في الفترة المسائية، في إدارة التصنيف والنشر، وكانت حينها إدارة مستحدثة، مهمتها تصنيف الأحكام القضائية، الصادرة في القضايا الإدارية والتأديبية والجزائية والتجارية، تمهيدا لطباعتها ونشرها، وهذا العمل رغم صعوبته وكثافته، إلا أنه مكنه من الاطلاع على كثير من الأحكام الصادرة، في هذه المجالات الأربع (الادارية والتأديبية والجزائية والتجارية)، ومع الوقت تكوّنت لديه ثروة علمية كبيرة فيها، حتى أنه في عام 1425هـ اجريت له مقابلة شخصية، وبعد أن اجتازها تم ترشيحه للقضاء في ديوان المظالم، وصدر الأمر الملكي الكريم بتعيينه ملازما قضائيا، وانتقل للعمل قاضيا في الدوائر الجزائية، في مقر ديوان المظالم الرئيسي بالرياض، وتم انتدابه خلالها لحضور دورة تدريبة في معهد الإدارة لمدة ستة أشهر، كانت الدورة في تخصص القضاء الإداري، وانتقل بعد اكمالها إلى فرع ديوان المظالم بجدة منطقة مكة المكرمة، وبعدها تدرج في السلك القضائي إلى أن اصبح رئيسا للدائرة التجارية الأولى بالمحكمة التجارية، وفي عام 1439هـ صدر الأمر بنقل اختصاص القضاء التجاري إلى وزارة العدل، حيث وجد نفسه مرة اخرى قاضيا في وزارة العدل، التي كان قد اعتذر منها قبل عشرين سنة، وهذه مشيئة الله سبحانه وتعالى ومقاديره، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، ثم صدر الأمر الملكي في شهر ذي القعدة عام 1441هـ بترقيته إلى مرتبة قاضي استئناف، وهو عمله الحالي، حيث يشغل الان منصب (رئيس دائرة الاستئناف الثالثة بالمحكمة التجارية بجدة)، وفقه الله واعانه وسدده.

والمحاكم التجارية هي محاكم مختصة بالقضايا التجارية الأصلية والتبعية، وقضايا الشركات، ونزاع الشركاء، وقضايا العلامات التجارية، والملكية الفكرية، وكل ما له صلة بالأنظمة التجارية، وهي على درجتين : (الدوائر الابتدائية) ، و(دوائر الاستئناف)، وكانت القضايا التجارية سابقًا من اختصاص ديوان المظالم، إلى أن صدر أمر ملكي بإنشاء محاكم تجارية متخصصة بالقضايا التجارية، وذلك في تاريخ 19/9/1428هـ، ومن الأهداف التي من أجلها تأسست هذه المحاكم التجارية، هو تعزيز قطاع الأعمال، وتأسيس بيئة استثمارية تساهم في جذب المستثمرين إليها، إضافة إلى حفظ الحقوق وبناء الثقة بين القضاء والمستثمر، كما يساهم القضاء التجاري في تسريع مستوى إنجاز القضايا التجارية، وتقليص مدة التقاضي، وتحسين وتطوير أداء الخدمات العدلية المتخصصة.

   شارك خلال عمله وتخصصه الوظيفي، في مهام وعدة لجان متخصصة، ومنها لجان صياغة اللوائح التنفيذية، لنظام المحاكم التجارية، التي عقدت بمركز التدريب العدلي بمدينة الرياض، والمشاركة في وضع وصياغة نماذج الدعاوى والأحكام التجارية، التي عقدت في مدينة الخبر، وظهرت في بوابة تقاضي فرع القضاء التجاري، وبما أن بحث رسالة الدكتوراه يتعلق بموضوع حيوي وجديد كُلّيًّا على نظام الإفلاس السعودي، لذا شارك في ورش عمل داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، خاصة بتطوير نظام الإفلاس وتحديثه، ومنها ورشة عمل عقدت في الدار البيضاء بالمملكة المغربية، في مؤتمر إقليمي عن الإفلاس، خلال الفترة من 27-28 سبتمبر 2018م، بعنوان (دور المحاكم في نظام الإفلاس الفعال)، وبرعاية من وزارة التجارة الأمريكية، وشارك في هذا المؤتمر عدة دول عربية، من دول الخليج العربي ومن شمال أفريقيا.

مشاركاته خارج العمل الرسمي :

تميز في حبه للخير، وفي خدمة الناس، واحب العمل في مجال الدعوة، وكان خير مجال اتاح له القيام بكل ذلك على افضل وجه، من خلال قيامه بإمامة احد الجوامع، وقد شجعه على هذا المسلك في البداية فضيلة الشيخ القاضي فرحان بن سليمان الفيفي حفظه الله ، لما يعرفه عنه وعن امكانياته وقدراته، وأنه مناسب جدا لمثل هذا العمل الجليل، ولذلك ألح عليه ليتغلب على تردده ـ وكان قد تعرف على الشيخ فرحان بن سليمان أثناء عمله في ديوان المظالم بالرياض من عام 1422 إلى عام 1425 حيث كان نعم الشيخ ونعم الموجه والناصح بل كان أبا ثانيا يرجع إليه في كثير مما يشكل عليه في عمله الوظيفي ـ ولذلك فقد استجاب له وقبل العمل اماما في جامع نور الإيمان بحي البوادي في جدة، عندما شغر هذا الجامع باستقالة إمامه السابق، وتم تعيينه اماما رسميا في عام 1428هـ، وكان بحمد لله عند حسن ظنه به، لكونه مؤهلا وجادا، فنجح وابدع في عمله وقام به على خير ما يرام، وخدم الجامع وجماعته حسب ما هو مطلوب منه واكثر، واستمر محافظا على تأدية عمله في هذا الجامع لمدة خمسة عشر عاما، إلى أن انتقل سكنه من هذا الحي في عام 1443هـ، إلى حي آخر بعيد عن هذا الجامع، ولم يستطع المواصلة لبعد المسافة بين سكنه الجديد والجامع، وكانت بحمد الله تجربة ثرية ناجحة، نفعته شخصيا قبل نفعه للآخرين، فإمام المسجد اضافة إلى عمله الرئيسي إماما وخطيبا، تجده واعظا ومصلحا وجارا وقاضيا وداعية، وتجده في كل شيء نافع في خدمة جيرانه وجماعة مسجده، فيثقون به الجماعة ويحبونه ويكلون اليه كل امورهم، ويبثونه كل همومهم ومشاكلهم، ولذلك يجب على الامام أن يتعلم من خلال كل ذلك، الصبر والحلم والأناة والمداراة، حتى يستطيع أداء رسالته كما ينبغي، وهذا شرف عظيم بقيادة جماعة المسجد في اداء صلاتهم، التي هي أهم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين، لأنها عماد الدين وركنه الركين، ولذا يحسن به أن يحبب المسجد إلى الناس، من قدومهم إليه بكل حرص، ومحبة البقاء فيه، وذلك بتجنب ما قد يؤدي إلى تنفيرهم أو بعضا منهم عن المسجد، فيبوء بإثمهم من حيث لا يشعر، فلابد أن يكون الامام اخ للجميع، وان يكون هو الأب لأبنائهم الدارسين في حلقات القرآن، حتى انه من حرصه في هذا الجانب، شجع زوجته لتعمل متطوعة في دار التحفيظ النسائية داخل المسجد، وانصهر في كل ما يقدمه المسجد من خدمات للحي، حيث وجد نفسه متفاعلا بشكل ايجابي مع كل المحيط، واصبح يمارس كل الادوار الاجتماعية بكل اقتدار، فهو يقوم بكثير من الادوار الايجابية المهمة، حيث يمارس كثير من المهام التوافقية والخدمية مع جماعة المسجد، فتجده مصلح اجتماعي، وقاض احيانا، فيما قد يحدث من الخصومات، ويكون همزة الوصل بين كل الجماعة، فإذا مرض أحدهم كان في مقدمة العواد، وفي الجنائز يكون من المواسين والواقفين مع اهل الميت، وينسق للكل اعمال البر والخير وحب التعاون، ويستعد لكل موسم بما يناسبه، وذلك بتحفيز كل من حوله للاستعداد لذلك، ففي شهر رمضان كمثال، تمد سفر الإفطار، بعد العمل على الحصول على التراخيص اللازمة في إقامتها، وفي تجهيز المسجد بالنظافة التامة، وتوزيع الماء والصيانة المطلوبة، والاستعداد لتهيئة الجو المريح والمناسب لأداء صلاتي التراويح والقيام بيسر وطمأنينة وروحانية، وفي فتح المسجد للمعتكفين، وبعدها  تهيئة مصلى العيد بعد التنسيق مع كافة الدوائر الحكومية المعنية، بدءً من وزارة الشؤون الإسلامية، وقسم الشرطة والدفاع المدني، مع المداومة على إلقاء الدروس اليومية، والاهتمام بخطبة الجمعة من حيث موضوعها ومراعاة الوقت، واختيار اللغة السهلة المفهومة من الجميع، والبعد عن الخلافيات وإثارتها أمام العامة، ويحسن بالإمام التنسيق مع المكاتب التعاونية والدعاة والمشايخ لإلقاء المحاضرات في مناسبات مختلفة، وغير ذلك من الادوار المتعددة والمهمة، لكي يؤدي المسجد وظيفته في الحي كما ينبغي، ولقد بقي طوال فترة عمله في هذا الجامع، يجتهد في تأدية عمله بكل تفان، وفي المقدمة بالطبع الامامة والخطابة والدروس العلمية، وشارك في تقديم كثير من الدروس في عدد من المساجد والجوامع داخل جدة وخارجها، والقى كذلك خطبا في كثير من مساجد فيفاء، وعدة محاضرات في عدد من جوامعها، وهذه هي من زكاة حامل العلم الشرعي، التي عليه أن يؤديها، (والأقربون أولى بالمعروف).

وعمل ايضا عضوا عاملا في الجمعية العمومية لجمعية البر الخيرية في فيفاء، ومتعاونا مع عدد من المكاتب التعاونية والجمعيات الخيرية في جدة وخارجها، إلى أن صدرت التوجيهات بمنع القضاة من العمل في الجمعيات الخيرية،  فامتثل لهذا التوجيه.

الحالة الاجتماعية:

    تزوج في عام 1416هـ، من الفاضلة كاذية بنت مسعود عمر العمري، وهو حينها طالب في الجامعة، وكانت له نعم الزوجة الصالحة المباركة المعينة، وقد بقيت في بداية زواجهما عند اهلها طوال مدة دراسته وتغربه في الرياض، ولما قرر مواصلة الدراسة بعد الجامعة، شجعته وحفزته – وكذلك كان حال أسرتها معه، جميعهم أيدوه وشجعوه على هذا التوجه – ولم تثني من عزيمته واندفاعه، بل شدت الرحال معه لتلتحق بجامعة الإمام حيث لم يكن حينها قد تم افتتاح جامعة في منطقة جيزان ، وحصلت في عام 1423هـ على شهادة البكالوريوس من كلية أصول الدين ، حفظها الله ووفقها، وجعل ما بينهما عامرا بالرضى والقبول.

   زاده الله علما وتوفيقا، ونفع به وبعلمه وجهده، وكثر الله فينا من امثاله العالمين العاملين.

                             والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 محبكم

سيرة فضيلة الشيخ القاضي الدكتور: محمد بن موسى العمري

المقالات

  الرياض في 1444/9/21هـ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى