
في الشارع الثقافي، على الواجهة البحرية الشمالية لمدينة جيزان، تفتح أحد المسارحة نافذتها على الذاكرة، وتدخل مهرجان جازان 2026 بجناحٍ يشبهها: هادئًا في حضوره، عميقًا في حكايته، نابضًا بروح المكان.
مشاركةٌ تأتي في إطار دعم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز أمير منطقة جازان، ومتابعة سمو نائبه الأمير ناصر بن محمد بن عبدالله بن جلوي، لتكون الحكاية أكبر من جناح، وأصدق من عرض.
أحد المسارحة ليست اسمًا على خارطة، بل سيرةٌ مكتوبة بالماء والناس. هنا، على الضفة الشمالية لوادي خلب، ينهض التاريخ كل صباحٍ مبللًا بالندى، وتتمايل الخضرة كأنها تحيةٌ قديمة للأرض.
تمتد المحافظة جنوب جازان بنحو خمسين كيلومترًا، وتحتضن 155 قرية، لكل قرية نغمتها، ولكل اسمٍ جذوره التي تشدّ الحاضر إلى الماضي.

منذ أربعة قرون، وسوق الأحد يعلن موعده مع الحياة. ليس سوقًا فحسب، بل مجلسٌ مفتوح للذاكرة، تتصافح فيه الوجوه، وتتعانق الحكايات، ويُستعاد الزمن كما لو أنّه لم يرحل.
هناك، يتعلّم المكان كيف يبقى شابًا، وكيف تتحول العادة إلى طقسٍ ثقافي لا يشيخ.
وفي مسيرتها الحديثة، تمضي أحد المسارحة بخطى واثقة. موقعٌ يتوسط جازان، طرقٌ معبّدة تصلها بكل الجهات، ومنطقةٌ صناعية تضيف لملامحها بُعدًا تنمويًا، حيث يقف مصنع أسمنت الجنوب شاهدًا على حركةٍ لا تهدأ، ونهضةٍ تُسهم في بناء الغد.

وعلى ضفاف وادي خلب، يتكوّر الجمال في حزامٍ أخضر، حدائق ومساحات وملاعب، متنفسٌ للعائلة، ومصافحةٌ دافئة بين الإنسان والطبيعة.
أمّا في عمق الزمن، فتقف مدينة الخصوف – الحِلْيَة – مهد الحصون، ببيوتها القديمة وشواهدها المنقوشة، تهمس بأسرار حضارةٍ عرفت كيف تترك أثرها دون ضجيج.
أحد المسارحة… مركزٌ تجاري عريق، وذاكرةٌ حيّة، وسوقٌ يعود إلى عام 1103هـ، ما زال يقيم وعده مع الناس كل أحد. مكانٌ يثبت أن بعض الأمكنة لا تشيخ، بل تزداد رسوخًا كلما مرّ بها الزمن، وأن التاريخ حين ينهض من ضفاف وادي خلب، ينهض جميلًا… كما كان وعندما تطأ قدماك جناح محافظة أحد المسارحة في مهرجان جازان 2026…
تستقبلك العِشّة التهامية كما لو أنّها خرجت تواً من قلب الزمن.

تقف شامخة ببساطتها، مبنيّة من الخشب والمتن ومشل الطفي، مغشّاة بعناية، مشدودة الأركان بوزرٍ من الطفي وحبل القعد، تمتد حبالها من القرعينة العليا إلى الأسفل لتثبّت الجدار، وتمنح المكان هيبته وجماله الهادئ. ليست زينةً للعين فقط، بل طمأنينةٌ للروح، تهمس لك: هنا كان الناس… وهنا ما زالت الحكاية.
في الداخل، يتدفأ المكان باللحاف والمنار، وتتناثر المشغولات الحرفية اليدوية كنجومٍ صغيرة تحكي مهارة الأيادي وصدق الصنعة.
الماصّة تستريح بجوار فنجال الفخار الطيني، وتجاورها دلة الجبنة الطينية، كأن القهوة ما زالت ساخنة تنتظر ضيفها الأول.

وفي ركن الطحين، يبدأ الاستعداد للغداء كما كان قديمًا؛
المهجان والمطحنة حاضران، والفخار يحتضن الذرة الحب، الحمراء والبيضاء، والجاب مملوء بالحب الأحمر، الشاحبي، والدخن، في مشهدٍ يختصر رحلة الزراعة من الأرض إلى المائدة.
وهنا، تكتمل اللوحة بفرحٍ تهامي أصيل…
العريس يطلّ بلبس الأصالة؛ المصنّف، الشميز، الجنبية، عصبة الرأس، واللحاف، يمشي بخطى واثقة كأنّه امتدادٌ لسلسلةٍ طويلة من الرجال.
العروس تتهادى بالميل والفل، وعضيّة الخطور، مزدانة بالضفر والطيب والحُسن، فتغدو الفرح نفسه وقد لبس هيئة إنسانة.

يفرحون بليلتهم…
وتُمدّ السفرة على القاعدة الأساسية، عامرة بما تشتهيه الذاكرة قبل المعدة:
حيسية خمير حامض مع الفرقة باللبن والسمن،
حيسية مرشوش،
مطحنة مقرَقِح فلفل،
ودِبا، وبامية، وإدام مشكّل، وغَلَف، وبَقَل…

أطعمةٌ ليست مجرد أكل، بل طقوس محبة، وميراث دفء، واحتفال بالحياة.
هكذا هو جناح أحد المسارحة…
ليس عرضًا تراثيًا عابرًا، بل بيتٌ مفتوح،
وحكايةٌ تُروى بالحبال والطين،
وفرحٌ قديم يتجدّد،
ليقول لك بهدوء:
هنا تهامة… وهنا أحد المسارحة، كما كانت… وكما يجب أن تبقى.
كتبه أ – حمد دقدقي




