مقالات

اسمع من الشخص لا تسمع عنه

د. مصلح البركات

ليست هذه العبارة مجرد نصيحة عابرة، بل هي منهج حكم، وفلسفة إدارة، وبوصلة أخلاقية تختصر المسافة بين المسؤول والناس. حين أوصى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – سمو الأمير خالد الفيصل بقوله: «اسمع من المواطن لا تسمع عنه»، كان يؤسس لقاعدة عميقة في فهم الإنسان، وإدارة الشأن العام، وصناعة القرار العادل.

في زمن تتكاثر فيه الوسائط، وتتشابك فيه الروايات، ويختلط فيه الصادق بالمؤدلج، تصبح المسافة بين الحقيقة والافتراض مسافة خطرة. فكم من صورة نُقلت مبتورة، وكم من إنسان حُوكم بسمعته لا بصوته، وبما قيل عنه لا بما قاله عن نفسه. الاستماع المباشر ليس ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة معرفية، لأنه وحده الكفيل بكشف السياق، وفهم الدافع، وتقدير الألم، وتمييز الشكوى الحقيقية من الضجيج المفتعل.

الاستماع من الشخص يعني الاعتراف بإنسانيته، وبحقه في التعبير عن ذاته دون وصاية أو تشويه. ويعني في الوقت ذاته إسقاط الحواجز النفسية والإدارية التي تصنعها التقارير الجافة أو الآراء المنقولة. فالكلمات حين تخرج من صاحبها تحمل نبرة الصدق، وتفضح المبالغة، وتكشف التفاصيل التي لا تراها العين من بعيد.

وفي الحياة اليومية، لا يقل هذا المبدأ أهمية عنه في الحكم والإدارة. كم من خلافات اجتماعية تفجّرت لأننا آثرنا السماع عن الآخر بدلاً من السماع منه، فكم من علاقات انكسرت لأن الوسيط كان أبلغ من صاحب الشأن؟ إن السماع عن الناس غالباً ما يكون مشوباً بالتحيز، محكوماً بالمصلحة، أو محمّلاً بتجارب ناقله لا بحقيقة المنقول عنه.

الاستماع المباشر يربك الأحكام المسبقة، ويعيد تشكيل القناعات، ويعلّمنا التواضع المعرفي؛ ذلك التواضع الذي يقول إن ما نعرفه قد لا يكون كل الحقيقة. وهو في الوقت نفسه فعل شجاعة، لأن من يسمع للناس كما هم، قد يواجه ما لا يريحه، لكنه يكسب ما هو أثمن: الثقة.

لهذا لم تكن وصية الملك سلمان – حفظه الله- نصيحة إدارية فحسب، بل درساً في القيادة الإنسانية. قيادة تعرف أن العدالة تبدأ من الأذن قبل القرار، وأن كرامة الإنسان تُصان حين يُمنح حق الكلام، لا حين يُختزل في رواية الآخرين عنه. وفي عالم يضج بالكلام، يبقى الاستماع الصادق أندر المهارات، وأصدقها أثراً، وأكثرها حاجة اليوم.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى