مقالات

اشكر الله ولا تغتر

د. مصلح البركات

الإعجاب شعور إنساني معقد، يختلط فيه الجمال بما يبدو من الإنسان، والقبح بما يختفي عنه. وما أجمل ما قاله أحد السلف:

“إذا رأيت الناس يعجبون بك، فاعلم أنهم يعجبون بجميل أظهره الله منك، ولا يعلمون عن قبيح ستره الله عليك، فاشكر الله ولا تغتر.”


هذه الكلمات القليلة تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع نظرات الآخرين، وتعيد ترتيب ميزان النفس حين تهتز بين ثناء الناس ووقع الخطأ البشري.


إن إعجاب الناس بنا ليس بالضرورة شهادة مطلقة على الكمال، ولا دليلًا قاطعًا على أننا الأفضل. إنه انعكاس لجزء واحد فقط من الصورة، ذاك الجزء الذي سمح الله أن يظهر للناس: سلوك حسن، خلق طيب، كلمة جميلة، موقف كريم. هذا هو الجمال الذي يلمسه الآخرون ويعجبون به. لكنه — كما يُذكّرنا القول — ليس القصة كاملة؛ فهناك أخطاء، وسقطات، ونقائص، وعيوب سترها الله بحكمته، ولو كُشف بعضها لربما تبدل الإعجاب إلى عتاب، والمدح إلى دهشة، والصورة اللامعة إلى حقيقة بشرية عادية.


الإنسان حين ينسى قبحه المستور يبدأ في الغرور. يظن أنه يملك كل هذا الجمال بذاته، فيتعالى، وينظر إلى الآخرين من علٍ، ويحسب أن الفضائل التي ظهر بها جزء من جهده وحده، ناسيًا أن النعم لا تظهر إلا بإذن، كما أن العيوب لا تُستر إلا برحمة. يقول الثناء الكثير لمن لا يعرف نفسه: “أنت فوق الجميع”، بينما يقول له هذا القول البليغ: “أنت عبد.. أقامك الله بجمال، ووقاك بقبح لم يره أحد.”


ولعل أجمل ما في هذا التوازن أنه يعيد الإنسان إلى نقطة الوعي: يدفعه إلى الشكر بدل الاغترار، وإلى التواضع بدل التفاخر، وإلى إصلاح العيوب بدل الاحتفال بالمحاسن. فالإعجاب الذي يراه الناس ليس إلا صفحة من كتاب طويل، أما الصفحات التي لا تُقرأ فهي التي تحدد صدق الإنسان مع نفسه.


وفي المقابل، حين ندرك أن جمالنا الظاهر نعمة، وقبحنا المستور رحمة، نتعامل مع الإعجاب برشاقة: نبتسم، نشكر، لكننا لا نكبر ولا نتعالى. نعرف أننا بشر، وأن الكمال ليس لنا، وأن الله وحده هو من يمنح الصورة التي يراها الناس، ويستر الصورة التي لا يطيقون رؤيتها.


هكذا نقف بين الجمال والقبح موقفًا متوازنًا: نعتز بالجمال دون غرور، ونتواضع للقبح دون انكسار، ليصبح الإعجاب الذي يأتينا من الناس ليس هو ما يجعلنا أفضل… بل ما يذكرنا بأن الأفضل دائمًا هو من عرف قدر نفسه أمام الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى