مقالات

الإنسان والزمن: ندم أو سلامة؟

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليس الزمن في ذاته خصمًا للإنسان، ولا قوةً عمياء تسوقه قسرًا كما يتوهّم كثيرون، بل هو المجال الذي تُختَبَر فيه حقيقة الوعي الإنساني وحدود الإرادة. غير أن أكثر الناس لا يعيشون الزمن بوصفه ساحة اختيار، بل بوصفه تيارًا جارفًا، فينساقون معه ثم يتعجّبون من النتائج. وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: هل الإنسان مسيَّر بالزمن، أم قادر على امتلاك موضعه داخله؟

يقع الإنسان غالبًا بين وهمين متقابلين؛ وهم السيطرة المطلقة على الزمن، ووهم العجز التام أمامه. وكلاهما قاصر. فالزمن لا يُمتلك بوصفه مقدارًا، ولا يُقاوَم بوصفه تيارًا، لكنه يُدار بوصفه علاقة. الإنسان لا يوقف الزمن، ولا يعيده، ولا يسرّعه، لكنه قادر – إن وعى – أن يختار أين يقف داخله، ومتى يسمح للفعل أن يعبر من حيّز الإمكان إلى حيّز الوقوع.

وقد قُرِّر في الوحي توصيفٌ دقيق لطبيعة الإنسان، إذ قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾، لا على سبيل الإدانة، بل بوصفه بيانًا لفطرته التكوينية. فالعجلة ميلٌ أصيل في بنية الإنسان، نابع من الخوف من الفوات، وضيق الأفق الزمني، والرغبة في القبض على النتائج قبل اكتمال شروطها. لكنها – مهما كانت فطرية – ليست معصومة من التهذيب، ولا مبرِّرة لاندفاع غير محسوب.

ولو كانت العجلة كافية في ذاتها، لما كان للتأني معنى، ولا للحكمة موضع، ولا للاختبار الإنساني قيمة، ولا للصبر فضيلة. وهنا يتجلّى دور الإرادة، لا لإلغاء العجلة – إذ لا تُلغى الفِطر – بل لضبطها وتهذيب اندفاعها، ومنعها من أن تتقدّم وحدها إلى موضع القرار، فتقود الفعل قبل أن يكتمل الوعي بزمانه وعاقبته.

بين الفكرة والفعل لحظة دقيقة صامتة، لا يُلتفت إليها غالبًا، لكنها أخطر مواضع الوجود الإنساني: لحظة الإذن. في هذه اللحظة لا يكون الإنسان قد فعل بعد، ولا هو متردّد، بل واقف على عتبة القرار. من يستهين بهذه اللحظة يسمح للفعل أن يسبق الإرادة، فيصير أسير نتائجه، ثم يقول بعد فوات الأوان: «ليت الزمن يعود». أما من يمسك بها، فلا يلغي الفعل، لكنه يؤجّله حتى تكتمل الرؤية، فيقول لاحقًا: «الحمد لله أنني لم أستعجل». وهنا يتضح الفرق الجوهري: الأول خسر لا لأنه فعل، بل لأنه استعجل، والثاني كسب لا لأنه لم يفعل، بل لأنه تأنّى.

الزمن في ذاته واحد لا يتشعّب، لكنه يُعاش بمسارات مختلفة. قد يتحرّك شخصان داخل الامتداد الزمني نفسه، لكن أحدهما يُدخل فعله قبل اكتمال الصورة، والآخر ينتظر حتى تنكشف. لا يتغيّر الزمن، لكن يتغيّر موضع الفعل داخله. فالفعلان لا يقعان على خط واحد مغلق، بل على مسارين ممتدّين داخل الزمن نفسه. هنا لا يكون الفارق حظًّا ولا دهاءً خارقًا، بل وعيًا باللحظة. فالإنسان لا يمتلك الزمن حين يسرع، بل حين يمنعه من أن يسبقه إلى قراره.

حين تُترك العجلة بلا رقابة، يصير الزمن قائدًا، والفعل اندفاعًا، والنتيجة ندمًا متأخرًا. وحين تُقاد العجلة بالإرادة، يصير الزمن مجالًا، والفعل اختيارًا، والنتيجة سلامة، وإن تأخّر المكسب. ولهذا صدقت الحكمة الإنسانية حين قالت: (من تأنّى سَلِم، ومن استعجل نَدِم). فالسلامة هنا ليست ربحًا مادّيًا، بل نجاة وجودية من الوعي المتأخر.

الإنسان إذن لا يُطالَب بأن ينتصر على الزمن، ولا أن يقهره، بل أن لا يُسلّم له القيادة. فالزمن ماضٍ لا محالة، لكن الإنسان يختار: أن يُساق فيه، أو أن يتّخذ منه موضع سيادة. ومن أمسك باللحظة الفاصلة، لم يحتج أن يتمنّى عودة الزمن، لأنه لم يسمح له أن يفلت من يده أصلًا.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى