مقالات

الاستقطاب الوظيفي .. تميز أم تهميش

بقلم: د . مصلح البركات

في زمنٍ تتسابق فيه المؤسسات نحو التميز، وتتباهى برفع شعارات “ الجدارة والاستحقاق”، تسلّل إلى واقعنا الإداري ما يشبه الخلل في البوصلة؛ إذ لم يعد “الاستقطاب الوظيفي” وسيلة لاكتشاف المبدعين، بل أضحى في بعض البيئات منفذًا ضيقًا تمرّ منه الأسماء المألوفة والمعارف المقرّبة.

ذلك الاستقطاب الذي وُلد ليكرّم الكفاءة، صار اليوم أداة تهميشٍ لمن يستحق. فالمقاعد لا تُشغل بالجدارة، بل بالمجاملة، والفرص لا تُمنح للأكفأ، بل للأقرب. وهكذا، تتكاثر المكاتب بينما تقلّ الكفاءات، ويتصدّر الضعفاء المشهد، فيغيب الإبداع، ويُهاجر التميّز بصمتٍ موجع.


لقد تحوّل الاستقطاب في بعض الجهات من ممارسة مؤسسية منظمة إلى قرار فردي محكوم بالعلاقات، تُغيب فيه المنافسة العادلة، وتُختصر الإجراءات، وتُغلق الأبواب أمام أصحاب المؤهلات والخبرات الحقيقية.


فلا إعلان، ولا مفاضلة واضحة، ولا معايير قابلة للقياس، بل اختيارات تُصاغ في الغرف المغلقة وتُبرَّر لاحقًا بلغة فضفاضة.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط لا يكتفي بإقصاء المتميزين، بل يُكافئ الضعف ويمنحه شرعية الاستمرار. فالضعيف الذي لا يطرح أسئلة ولا يحرج واقعًا، يصبح الخيار الآمن، بينما يُنظر إلى المبدع بوصفه عبئًا أو تهديدًا. وهنا يبدأ الانحدار المؤسسي، حين تُدار المواقع الحساسة بعقلية المجاملة لا بعقلية الإنجاز.


وتنعكس هذه الممارسات سلبًا على بيئة العمل، حيث يسود الإحباط، وتتراجع روح المبادرة، ويضعف الانتماء الوظيفي.


فحين يدرك الموظف أن التميز لا يُكافأ، وأن الجهد لا يقود إلى فرصة، يصبح الأداء مجرد واجب يومي خالٍ من الشغف، وتتحول المؤسسات إلى هياكل إدارية بلا روح.

كما أن استمرار هذا الخلل يتعارض مع التوجهات الوطنية التي تؤكد على الشفافية وتكافؤ الفرص وبناء رأس المال البشري، إذ لا يمكن الحديث عن تطوير إداري حقيقي في ظل منظومة استقطاب لا ترى في الكفاءة أولوية، ولا في الجدارة معيارًا حاسمًا.


إن إعادة الاعتبار للاستقطاب الوظيفي تتطلب شجاعة مؤسسية تبدأ من الإعلان الواضح عن الفرص، وتمر بتفعيل أدوات التقييم المهني، وتنتهي بمساءلة القرارات التي تُبنى على العلاقات لا على المؤهلات. فالوظيفة ليست مكافأة شخصية، بل مسؤولية عامة، وأي خلل في شغلها هو خلل في مخرجات المؤسسة ككل.


وفي الختام، يبقى الاستقطاب الوظيفي مرآة تعكس وعي الإدارة ونزاهة القرار. فإما أن يكون بوابة للتميز وبناء المستقبل، أو أن يظل أداة تهميش تُطفئ الكفاءات وتُبقي المؤسسات رهينة للضعف. والاختيار، في نهاية الأمر، ليس إداريًا فحسب، بل أخلاقي قبل كل شيء.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى