مقالات

الاستنزافُ النفسيُّ باسمِ الوظيفةِ

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

لم يعد الاستنزاف النفسي في بيئات العمل الحديثة نتيجةً عَرَضية لضغط المهام أو كثافة المسؤوليات، بل تحوّل – في كثير من السياقات – إلى ممارسةٍ مُقنَّعة تُمارَس باسم الوظيفة ذاتها. فالعمل، الذي يفترض أن يكون مجالًا للإنتاج والتكامل الإنساني، يُعاد تعريفه أحيانًا بوصفه اختبارَ تحمُّلٍ دائم، لا يُقاس فيه العطاء بالجودة، بل بالقدرة على الصبر تحت الضغط.

في هذا المناخ، لا يُستنزف الجسد أولًا، بل تُستنزف النفس.

يبدأ الأمر بتجاوزٍ بسيط للوقت، ثم باستدعاءٍ متكرر خارج الدوام، ثم بقلقٍ صامت يسبق النوم ويتسلّل إلى المنام. وحين يغدو العمل مادةً للرؤى الليلية، فذلك ليس علامة تفانٍ، بل مؤشرٌ واضح على أن الوظيفة تجاوزت حدودها، واستقرّت في موضعٍ لا ينبغي لها أن تبلغه.

الاستنزاف النفسي لا يحتاج إلى صراخٍ أو تهديد. يكفي أن يُدار الخوف إدارةً ذكية: غموضٌ في التقييم، ترقّبٌ دائم، رضا مؤقّت، وخطأ محتمل في كل لحظة. وبهذه الأدوات، يتحوّل المدير من مشرفٍ على الأداء إلى مركز ضغط نفسي، لا يفسد ساعات العمل فقط، بل يمتدّ أثره إلى اليوم كلّه، وربما إلى الحياة خارج المكتب.

ومع الزمن، تتغيّر بنية السلوك الوظيفي.

فلا يعود الموظف يفكّر في تحسين الأداء، بل في تفادي الخطأ.

ولا يسأل عن الجودة، بل عن السلامة.

ولا يسعى إلى الابتكار، بل إلى النجاة.

وهنا تقع المفارقة الكبرى: البيئة التي تُدار بالخوف لا تُنتج، بل تُنفّذ. فهي تُخرِج أفرادًا مطيعين، سريعي الاستجابة، لكنهم فاقدو المبادرة، منزوعو الخيال، محكومون بردّ الفعل لا بالفعل.

وفي ظل هذا الاستنزاف، تُعاد صياغة مفاهيم أساسية على نحوٍ معكوس.

فالالتزام يصبح خوفًا، والمسؤولية تتحوّل إلى قلق، والإخلاص يُقاس بمدى الاستعداد للتنازل عن الوقت والحدود والحياة الخاصة.

وهكذا يُطالَب الإنسان بأن يكون حاضرًا على الدوام، دون أن يُسأل عمّا يُفقده هذا الحضور المستمر.

أما العائلة، فتُدفَع إلى الخلفية بوصفها شأنًا مؤجّلًا.

يُقال إن الغياب مؤقّت، وإن الانشغال مبرَّر، وإن التعويض ممكن لاحقًا. غير أن التربية لا تنتظر، والعلاقات لا تُدار بالتقسيط، والفراغ الذي يتركه الغياب لا يملؤه النجاح المهني مهما بلغ.

ويبلغ الاستنزاف ذروته حين يغيب المشروع الشخصي، وتغيب الرؤية لما بعد الوظيفة.

فالموظف الواقع تحت ضغط دائم لا يُخطّط؛ لأن التخطيط يحتاج أفقًا، والخوف يضيّق الأفق إلى حدود اليوم التالي فقط. وهكذا تمرّ السنوات، ويُستهلَك العمر الوظيفي دون أن يتكوّن بديل، أو تُبنى أرضية آمنة للخروج إن لزم الأمر.

في هذه المرحلة، لا يعود البقاء في وظيفة مُنهِكة خيارًا عقلانيًا، بل ضرورةً نفسية يفرضها الخوف من المجهول. فيختار الإنسان المعلوم المؤلم على المحتمل الأفضل، ويستمرّ في موقعٍ لا يضيف إلى كفايته، ولا يوسّع أفقه، ولا يحفظ كرامته، فقط لأنه لا يرى طريقًا آخر.

هذا المقال لا يُدين العمل، ولا يُخاصم الإدارة، ولا يدعو إلى التمرّد الأجوف.

إنه يضع توصيفًا لحالةٍ متنامية:

حين يُدار العمل بالخوف، يتحوّل الاستنزاف النفسي من أثر جانبي إلى أداة تنظيمية.

فالوظيفة التي تُبقي الإنسان في حالة قلق دائم قد تضمن الحضور، لكنها تقتل الإنتاج الحقيقي.

وقد تفرض الانضباط، لكنها تُفقد المعنى.

وقد تُدار بكفاءة ظاهرية، لكنها تُنتج بشرًا مستهلَكين، لا صُنّاع قيمة.

العمل الصحي لا يستنزف النفس كي ينجح، بل ينجح لأنه يحفظها.

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

Views: 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى