مقالات

البلوت لعبة ذكاء أم قتل للفراغ؟

د. مصلح البركات

تُعد لعبة البلوت واحدة من أكثر الألعاب انتشارًا في المجتمع السعودي، إذ لا تكاد تخلو جلسة أصدقاء أو استراحة أو مقهى شعبي من طاولة بلوت تجمع لاعبين تتفاوت خبراتهم وحماسهم. وبين من يمارسها بوصفها متعة عابرة، ومن يتعامل معها بجدية لافتة، يبرز تساؤل مشروع: هل البلوت لعبة ذكاء حقيقية أم مجرد وسيلة لقتل الفراغ؟

النظرة السطحية قد تصنف البلوت ضمن الألعاب الترفيهية التي تُمارس لتمضية الوقت، غير أن التعمق في طبيعة اللعبة يكشف أنها تقوم على عناصر ذهنية معقدة نسبيًا، مثل حساب الاحتمالات، وتحليل مجريات اللعب، ومحاولة استنتاج ما في أيدي الخصوم، إضافة إلى اتخاذ قرارات سريعة قد يترتب عليها الفوز أو الخسارة. فاللاعب المتمرس لا يعتمد على الحظ بقدر اعتماده على التفكير المنظم والقدرة على قراءة الموقف بدقة.

كما تتميز البلوت بأنها لعبة شراكة، حيث يرتبط نجاح اللاعب بمدى انسجامه مع شريكه، وفهمه لأسلوبه، وبناء خطة مشتركة قائمة على الثقة والتقدير الصحيح للخطوات. هذا الجانب يضيف بعدًا ذهنيًا واجتماعيًا في آن واحد، إذ يتعلم اللاعب مهارات غير مباشرة في التواصل، وضبط النفس، والعمل الجماعي، وهي مهارات تتجاوز حدود الطاولة إلى الحياة اليومية.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن البلوت قد تفقد هذا البعد الذهني حين تتحول إلى ممارسة مفرطة، تُهدر الساعات الطويلة دون هدف، وتأتي على حساب العمل أو الأسرة أو الالتزامات الشخصية. عندها تصبح اللعبة مجرد أداة لقتل الفراغ، وربما للهروب من المسؤوليات، لا سيما إذا غاب الوعي بأهمية التوازن في استهلاك الوقت.

تلعب البلوت أيضًا دورًا اجتماعيًا واضحًا، فهي تجمع الناس في زمن طغت فيه العزلة الرقمية، وتخلق مساحة للحوار والضحك والتفاعل المباشر. غير أن هذا الدور الإيجابي قد ينقلب إلى نقيضه إذا تحولت المنافسة إلى توتر أو خلاف، ما يستدعي قدرًا من النضج في التعامل مع الخسارة والربح على حد سواء.

في المحصلة، لا يمكن حصر البلوت في كونها لعبة ذكاء مطلق أو وسيلة فارغة لتمضية الوقت، فهي تتشكل وفق طريقة ممارستها ووعي من يلعبها. حين تُمارس باعتدال، تصبح نشاطًا ذهنيًا واجتماعيًا مفيدًا، وحين تُساء إدارتها، تتحول إلى استنزاف للوقت بلا قيمة حقيقية. والفيصل في ذلك ليس في اللعبة نفسها، بل في ثقافة اللعب وحدودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى