مقالات

التجارب المؤلمة ليست محطات عبور

د. مصلح البركات

ليست التجارب المؤلمة مجرد محطات عبور، بل هي المعابر الحقيقية التي يُعاد فيها تشكيل الإنسان من داخله. فالأوجاع لا تُصنع عبثًا، ولا تمرّ مرورًا عابرًا؛ إنها تترك خدوشًا، نعم، لكنها أيضًا تفتح نوافذ جديدة للرؤية. الإنسان الذي لامسته الخيبات مرة، وجرّب الانكسار مرتين، ووقف على أطلال أحلامه مرارًا، لا يعود كما كان، لأن الألم يحرّره من سذاجة البدايات ويهديه حكمة لا تُشترى.

في قلب كل تجربة موجعة درسٌ لا يُنسى: درس في الانتقاء، في الحذر، في التقدير، وفي فهم الذات. ألمُ الخذلان، مثلًا، لا يعلّمنا القسوة، بل يعلّمنا كيف نُحسن اختيار من نمنحهم قلوبنا. وألم الفشل لا يقتل الطموح، بل يضعه على سكّة أكثر واقعية. وألم الفراق لا يضعف الروح، بل يوقظ فيها قيم البقاء والقدرة على الترمّم.


النضج ليس أن تكبر في العمر، بل أن تكبر في الوعي. ووعي الإنسان يتشكل حين يصطدم بالحياة في أماكنها الوعرة، فيتعلم أن القوة ليست في تجنّب الألم، بل في القدرة على النهوض بعده. نحن لا نتغيّر حين تسير الأمور كما نتوقع؛ نتغير فقط حين يختبرنا الله بما نظن أننا لا نحتمله، فنكتشف أن لنا في الداخل طاقة لا نعرفها.


ولعل أجمل ما في التجارب المؤلمة أنها تكشف لنا أنفسنا: من نحن حقًا؟ ماذا نستطيع؟ أين نقف؟ وكم نساوي؟ بعدها ندرك أن بعض الطرق لا تصلح لنا، وأن بعض الأشخاص لم يكونوا لنا، وأن بعض القرارات كانت تحتاج قلبًا أكثر وعيًا لا أكثر عاطفة.


هكذا، يتحول الألم إلى معلم صبور، وإلى يد خفية تدفعنا نحو نسخة أكثر اتزانًا وصلابة. فالتجارب المؤلمة — بكل ثقلها ووجعها — لا تُفقدنا أنفسنا كما نظن، بل تعيدنا إليها بشكل أوضح، وتُرينا الحياة من نافذة أوسع، لنخرج منها بنضجٍ كامل… وبقلب أقوى مما كان
.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى