مقالات

التكريم حين يفقد قيمته

د. مصلح البركات

لم يعد التكريم في وعينا الجمعي خاتمةَ مسارٍ طويل من العمل المتقن، بقدر ما صار مشهدًا سريعًا يُلتقط على منصة عابرة ثم يُنسى. لقد تحوّل من وسام استحقاق إلى بطاقة حضور، ومن اعترافٍ بالمنجز إلى طقسٍ اجتماعي تُنتَج له الصور أسرع مما تُنتَج القيمة. وهذا التحوّل لا يمرّ بلا كلفة؛ إذ يدفع ثمنه المتميز الحقيقي حين يرى جهده يزاحمه من لا أثر له سوى الأناقة على المسرح.

الفكرة بسيطة حدّ القسوة: حين يُكرَّم الجميع، لا يعود التكريم يعني شيئًا. كان معيار الاستحقاق يومًا ما واضحًا: أثرٌ يمكن قياسه، أو ابتكارٌ يغير اللعبة، أو خدمةٌ تُحدث فرقًا في الناس. اليوم، صار الطريق إلى الشهادة معبّدًا بمفرداتٍ رخوة من قبيل “المشاركة” و“الدعم” و“التمثيل”، واستُبدلت العدالة بالكياسة، والمعايير بالمجاملات. هكذا يفقد الوسام لغته، ويفقد الجمهور ثقته، وتفقد المؤسسات أدوات التحفيز الحقيقية.


المفارقة أن النوايا غالبًا طيبة؛ جهات تريد أن تُشعِر الجميع بالاحتفاء، أو منظّمون يبحثون عن لقطاتٍ تُجمّل المناسبة. لكن تحويل التكريم إلى عادة أسبوعية أو فقرة ثابتة يجرّده من وظيفته الأخلاقية والتربوية.


فالتكريم، في أصله، يشيّد سلّم قيم يعلّم الأجيال: كيف يُصنع الإنجاز؟ وكيف تُقاس الجودة؟ وما معنى أن تُقدِّم ما يتجاوز الحدّ الأدنى؟ وحين يلتبس هذا السلم، ينشأ التواضع الكاذب عند غير المنجزين، والمرارة الصامتة عند المنجزين.

وليس المقصود إغلاق الباب في وجه الفرح؛ الناس بحاجة إلى إشراقات تُنعش الروح العامة. لكن الفرح المسؤول غير الفرح السهل. المسؤولية تعني أن نُعيد للتكريم وزنه: إعلان معايير واضحة قبل الفعالية، لجنة تُراجع وتتحقق بعد الفعالية، ربط الجائزة بأثرٍ يمكن قراءته لا بصفةٍ يمكن صياغتها. عندها فقط يصبح التكريم أداة بناء لا عُملة تضخمية؛ يزيد قيمته أنه نادر ومُحكَم وشريف.


أما المتميز، وهو محور هذا النقاش، فليس كائنًا من زجاج. لكنه يتأثر حين يرى جهده يذوب في صخب الصور. تتراجع رغبته في خوض ماراثون الجودة إذا كانت النتيجة النهائية واحدة: شهادة تُعلَّق على الجدار، لا علاقة لها بعرق الطريق. ومع الوقت تتآكل طبقة القدوة في المجتمع، إذ يختلط الصدى بالصوت، ويصبح الوصول إلى المنصة غايةً بحد ذاته، لا وسيلةً لعرض قصة نجاح حقيقية.


التكريم أداة تنموية إذا احتكم إلى ثلاثة أمور: أثرٌ مُثبت، وزمنٌ يختبر الاستمرارية، وتحكيمٌ مستقل يطمئن إليه الجمهور. الأثر يمنع الخطابة الفارغة؛ والزمن يميّز الطفرة من المنهج؛ والتحكيم المستقل يحمي التكريم من مزاج العلاقات العامة. وحين تجتمع هذه الأركان، يعود الوسام إلى مكانه الطبيعي: رسالة قيم قبل أن يكون شهادةً أو درعًا.


يمكن للمؤسسات أن تبدأ بخطوات صغيرة وواضحة: نشر معايير مختصرة قبل أي فعالية؛ إعلان أسماء لجنة التحكيم وسِيَرهم؛ ربط كل تكريم بفقرة توثيق دقيقة تشرح “ماذا فَعَل” المُكرَّم لا “من هو” فقط؛ وإتاحة قناة اعتراض مهنية تُحسّن الدورة القادمة. هذه الإجراءات البسيطة لا تُقلل الفرح، بل تنقّيه من شوائب الاستسهال.


في النهاية، لا يُقاس المجتمع بعدد المناسبات بل بعدد القصص الحقيقية التي تخرج منها؛ قصص تُلهم طالبًا يجتهد أكثر، أو موظفًا يرفع معيار الجودة في فريقه، أو متطوعًا يوسّع أثر مبادرته. وحين يعود التكريم إلى لغته الأولى؛ لغة الاستحقاق، ستصمت الكاميرات دقيقةً واحدة احترامًا للمعنى، قبل أن تعود لالتقاط الصورة التي تَستحق أن تُحفَظ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى