
واثقُ الخطوةِ يمشي ملكًا
مقالة اجتماعية أدبية
ليس الغرور سلوكًا عابرًا ولا زلّة لسان، بل انحراف وعيٍ يبدأ حين يسيء الإنسان قراءة ذاته، فيخلط بين ما يُمنح له صبرًا وما يظنه اعترافًا بعظمته، وبين الثقة التي تُبنى على العمل، والكِبر الذي يتغذّى على الوهم.
في عبارة «واثقُ الخطوةِ يمشي ملكًا» تتكثّف صورة الإنسان حين يخدعه بريق نفسه، فيمشي مزهوًّا لا لأنه بلغ القمّة، بل لأنه أُعمي عن رؤية حافّة السقوط، فالثقة التي لا يحرسها تواضع، ولا يضبطها وعي، تتحوّل سريعًا إلى غرورٍ يسبق صاحبه إلى الهاوية.
واثقُ الخطوةِ يمشي ملكًا
ظنَّ أن الأرضَ تَعبُدُهُ
هنا تتجلّى المأساة الإنسانية في أوضح صورها؛ حين يظن المرء أن احترام الناس عبادة، وأن صبرهم خضوع، وأن سكوتهم إقرار بتفوّقه، غير مدرك أن الأرض لا تعبُد بشرًا، وأن الناس كثيرًا ما يصمتون اتقاءً لا اقتناعًا.
الغرور لا يصنع هيبة، بل يعزل صاحبه عن الحقيقة، فيرى النقد عداءً، والنصيحة تطاولًا، والاختلاف تمرّدًا، حتى يصبح وحده معيار الصواب، وكأن الحكمة خُلقت لتتبعه لا ليبحث عنها.
هو في شُغلٍ عن السمعِ فما
يتبيَّنُ ما تقولُ فمُهُ
يكثر الكلام، ويغيب السمع، ويُستبدل الفهم بالحكم المسبق، فيتوهم المتكبّر أن ارتفاع صوته دليل على قوة حجته، بينما الحقيقة أن الضجيج غالبًا يخفي فراغًا داخليًا لا يريد صاحبه مواجهته.
ولهذا جاء التحذير الإلهي قاطعًا لكل وهم، بلا مجاملة ولا مواربة:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37)، آية تعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي، وتؤكد أن العظمة لا تُنال بالاختيال، ولا تُفرض بالاستعلاء.
ثم جاء التحذير النبوي أشد وقعًا، لأنه يضع الكِبر في موضعه الأخلاقي الصحيح، قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من كِبر» رواه مسلم، حديث يحسم المسألة دون تأويل، فالكِبر خطيئة قلب قبل أن يكون سلوكًا اجتماعيًا.
وحين قُدِّمت هذه القصيدة بصوت أم كلثوم لم تكن غناءً للتطريب، بل محاكمة أخلاقية بصوتٍ مهيب، ودرسًا إنسانيًا يذكّر بأن الهيبة لا تُشترى، وأن العظمة لا تُعلن، وأن من ظنّ نفسه ملكًا على البشر، سيتعلّم متأخرًا أن العروش الوهمية أسرع ما تسقط.


