دين ودنيا

السير الحثيث .. لمرضاة المجيب المغيث (3)

إعداد الدكتور: علي بن يحيى جابر الفيفي

السير الحثيث .. لمرضاة المجيب المغيث (3)

 المطلب الثالث : العبادة أعظم المصالح ، وأهم ضروريات الحياة   

من عظمة شريعة الإسلام أنها جاءت بما يحقق مصالح العباد ، ويدرأ عنهم المفاسد والقبائح ، فهي مبنية على حفظ المصالح وتكثيرها ، ودرء المفاسد وتقليلها ، يقول العلامة عبد الرحمن السعدي – رحمه الله :

  الــدِّينُ مَبْنِــيٌّ عَلَـى الْمَصَـــــالِحِ ….. فِي جَلْبِهَـا وَالـدَّرْءِ لِلْقَبَـــــائِحِ ([1])

 ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ” فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين ، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ، ويدفع شر الشرين ([2]) .

 ويقول الشاطبي – رحمه الله -: ” المعلوم من الشريعة أنها شُرِعَتْ لمصالح العباد ؛ فالتكليف كلُّه إما لِدَرْءِ مفسدة ، وإما لِجَلْبِ مصلحة ، أو لهما معاً “ ([3]) .  

 ويقول أيضاً : ” وَضْعَ الشرائعِ إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً “ ([4]) .

وقد ذكر العلماء والفقهاء المصالح التي جاءت بها الشريعة ورتبوها حسب الأهمية ، فجعلوا أعلاها : الضرورات ، ثم الحاجيات ، ثم التحسينات أو الكماليات.   

    فالضرورات لا بقاء للناس إلا بها ، ولا تتحقق حكمة الخلق والتشريع إلا بوجودها والمحافظة عليها ، وهي خمس ضروريات أو كليات ، أولها : حفظ الدين ، ثم النفس ، ثم العقل ، ثم النسل ، ثم المال.

   فالمصالح في الشريعة على ثلاث مراتب :

  • مصالح ضرورية: وهي ما لا يستغني الناس عن وجودها بأي حال من الأحوال ، ويأتي على رأسها الكليات الخمس ، أو الضرورات الخمس ، فهذه يجب تحقيقها ، والمحافظة عليها ؛ لتستقيم الحياة ، ويأمن المجتمع ، وتتحقق الحكمة من وجود الإنسان في الحياة .
  • مصالح حاجِيَّةوهي ما يحتاج الناس إليه لتحقيق مصالح هامة في حياتهم ، يؤدي غيابها إلى المشقة واختلال النظام العام للحياة ، دون زواله من أصوله ، كما يظهر في تفصيلات أحكام البيوع ، والزواج ، وسائر المعاملات .
  • مصالح تحسينية أو كمالية:
  • وهي ما يتم بها اكتمال وتجميل أحوال الناس وتصرفاتهم ، مثل الاعتناء بجمال الملبس ، وإعداد المأكل ، وجميع محاسن العادات في سلوك الناس ([5]) .

 إذاً ، فأول المصالح وأهمها وأعظمها هو التعبد لله ﷻ بالمحافظة على دينه ، وإقامة شرعه ، واتباع هدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

 فالتديّن والتعبد لله تعالى له أهمية كبرى في حياة الإنسان  ؛ لأنه يُلَبّي النزعة الإنسانية إلى عبادة الله تعالى  ، و يَمدُّ المؤمن بوجدان ينبض بالمشاعر الجياشة ، والضمير الحيّ ، ولما يُقَوّي في نفسه من عناصر الخير والفضيلة ، وما يضفي على حياته من سعادة وطمأنينة ([6]) .  

وحاجة الناس إلى التعبد لله تعالى أعظم حاجة ، وضرورتهم لها فوق كل ضرورة ؛ لأنه لا سعادة في الدينا إلا بذلك ، ولا نجاة في الآخرة إلا لمن كان لله عابداً ، ولنبيه متبعاً ، وبهدي السلف الصالح مقتدياً.

    وأكثر من أبان حاجة الناس للعبادة – فيما اطلعتُ عليه – هو الإمام ابن القيّم –رحمه الله – فقال:

  فكانت الشرائع ضرورية في مصالح الخلق وضرورتها لهم فوق كل ضرورة تُقدر ، فهي أسباب موصلة إلى سعادة الدارين ، ورأس الأسباب الموصلة إلى حفظ صحة البدن وقوته واستفراغ أخلاطه ، ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها ([7]) .

وقال : ” ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به ، وتصديقه فيما أخبر به ، وطاعته فيما أمر ، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل ، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم ، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به ، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال ، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال ، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه ، والعين إلى نورها ، والروح إلى حياتها ، فأي ضرورة وحاجة فُرضت ، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك ، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة ، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال ، بل أعظم “ ([8]) .

وفي معرض بيانه شدة حاجة العباد إلى معرفة الله تعالى وعبادته ودعوته والتقرب إليه ، وأن معرفة الطرق الموصلة إلى ذلك هي أيسر الطرق ، وأسهلها ، وأهداها ، وأقربها ؛ لبيان الله تعالى لها أتمَّ بيان وأوضحه ، قال – رحمه الله – :

  ” ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم ومعبودهم ﷻ فوق مراتب هذه الحاجات كلها فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعبدوه ،  ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ، ونهاية مرادهم ، وذكره والتقرب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم ، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالاً من الأنعام بكثير ، وكانت الأنعام أطيب عيشاً منهم في العاجل ، وأسلم عاقبة في الآجل ، وإذا عُلم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه ومحبته وعبادته والتقرب إليه فوق كل ضرورة كانت الطرق المُعرِّفةُ لهم ذلك أيسر طرق العلم على الإطلاق وأسهلها وأهداها وأقربها ، وبيان الرب تعالى لها فوق كل بيان “ ([9]).

وقال – رحمه الله تعالى – : ” وبهذا يُعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة ولا تشبهها ضرورة تقاس بها ، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك ([10]) .

وبيَّن رحمه الله تعالى أن حاجة العباد إلى معرفة ما أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ، والقيام بما أوجب عليهم من العبادة الخالصة له وحده ، والاتباع الصادق لنبيه الأمين صلى الله عليه وسلم ، والدعوة إليه ، والصبر على الأذى فيه ، وجهاد النفس ، وجهاد المخالفين في ذلك ، هي فوق كل ضرورة ، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها ؛ لأن الطب أعلى فوائده علاج الأجساد البالية ، والعبادة شفاء الأرواح ودواؤها ، وصلاح أحوال الحياة كلّها ، وانتظام جميع شؤونها ،  فقال – رحمه الله -:

” حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها.

إلى أن قال : ” فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والقيام به ، والدعوة إليه ، والصبر عليه ، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه ،  وليس للعَالَم صلاح بدون ذلك البتة ، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسم “ ([11]) .

فلا يمكن أن ينال أحد السعادة الحقيقية إلا بالإيمان الصادق ، واليقين الجازم بأن مصدر السعادة الأول هو الدين الخالص لله تعالى ، فمن حققَّ العبودية الخالصة لله تعالى أمدّهُ الله بروح منه تضفي عليه سعادة تغمر قلبه بالضياء والنور! ، ونفسه بالبهجة والسرور ، وقلبه بالقوة والعزيمة ، فتتحقق له بذلك الحياة الطيبة ، كما قال تعالى: (( مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٍ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ )) ، (سورة النحل ، 97 ) .   

ففي هذه الآية الكريمة يقسم الله تعالى وتقدس أن من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن بوعد الله لمن أطاعه ، ووعيده لمن عصاه ، فإنه جلَّ في علاه سيحييه حياة طيبة ، وسيجزيه أجره في الآخرة بأحسن ما كان يعمل!.

   والعمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة شروط :

الأول :  موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.  

الثاني : أن يكون خالصاً لله تعالى.

الثالث : أن يكون مبنياً على أساس العقيدة الصحيحة ؛ لأن الله عز وجل قيَّد القبول والجزاء بالإيمان ، فقال : (( مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٍ … )) ، ومفهوم المخالفة أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح ([12]) .

فالإيمان الصادق ، والعمل الصالح بعصمان المؤمن من الضلال والشقاء ، والإعراض عن ذلك يورث الضنك والعمى ، فيعيش المعرض ُفي الدنيا حياة الضِّيقِ والضَّنَكِ ولو مَلَكَ من أموال الدنيا ما مَلَك ! ،  وفي الآخرة يكون من الخاسرين ، كما قال تعالى : ((… فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ (123) وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضنكاً وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ (126) وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ )) ، ( سورة طه).

فالمؤمن وليٌّ لله تعالى يحفظه وينصره ويؤيده ، ويمتّعه متاعاً حسناً في الدنيا ، وفي الآخرة يكون فائزاً فرحاً مسروراً بما منَّ الله عليه به من العبادة والطاعة والاستقامة..  وأما المعرض عن الله فلا يجد ولياًّ ولا نصيراً ، فيعيش في الدنيا شقيّاً ، وفي الآخرة يلقى العذاب والهوان ، ويبوء بالخسران المبين .    

          الثلاثاء الموافق 6  صفر 1445هـ.   

المراجع: 

(1)- شرح منظومة القواعد الفقهية لفهم النصوص الشرعية ، أبو عاصم البركاتي المصري ، 24 ،  منشور على موقع شبكة الألوكة .

(2)- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية ، تحقيق : محمد رشاد سالم ، 6 / 118، ط1 ، جامعة الإمام ، 1406هـ – 1986م.

(3)- الموافقات ، إبراهيم بن موسى الشاطبي ، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان ، 1 / 318 ، ط1 ، دار بن عفان ، 1417هـ – 1997م .

(4)- المصدر السابق ، 2 / 9 .

(5)- ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية ، منشور على موقع وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية ، 4 – 6.

(6)- ينظر :  المرجع السابق ، 7.

(7)- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، ابن القيم ، ص 227.

(8)- زاد المعاد في هدي خير العباد ، ابن قيم الجوزية ، 1/ 68-69 ، ط مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1415ه/ 1994م.

(9)- الصواعق المرسلة على المعطلة والجهمية ، ابن قيم الجوزية ، 1/366-367 ، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل ، ط3، دار العاصمة ، الرياض ، 1418ه/1998م .

(10)- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، ابن قيم الجوزية ، 1/77 ،  تحقيق: محمد حامد الفقي ، ط2، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، 1395ه/ 1975م .

(11)- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ، 2/2.

(12)- ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين  الشنقيطي ، 2 / 440 ، ط دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع ، بيروت – لبنان ،  1415 هـ / 1995 م .

السير الحثيث .. لمرضاة المجيب المغيث (3)

دين ودنيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى