
في زحام الحياة، وبين شواغل الناس التي لا تهدأ، يبقى العمل الذي لا يفقد قيمته ولا يبهت أثره هو قضاء حوائج الآخرين؛ تلك المهمة الخفية التي لا تُدوّن في السير الذاتية، لكنها تُكتب عميقًا في سجلات القلوب. كثيرون يظنون أن المساعدة عبء أو تفضّل، بينما هي في الحقيقة تجربة تمنح صاحبها لذة لا تشبه أي لذة، وتفتح أمامه نوافذ من السكينة لا يجدها في إنجازاته الشخصية مهما عظمت.
فالمفارقة أن من يقضي حاجة غيره هو المستفيد الأول منها. يكفي أنه يرى أثر ما صنعه في وجه محتاج، أو يسمع دعوة صادقة في لحظة ضيق، أو يشهد تبدّل حالٍ كان يظنه بعيدًا. هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا ينتبه إليها إلا أصحاب النفوس الرحيمة، تصنع في الداخل شعورًا يشبه الطمأنينة العميقة، كأنما تُعيد ترتيب الفوضى الداخلية للإنسان وتمنحه طاقة لا يُعرف مصدرها.
وليس غريبًا أن تُجمع الثقافات والأديان على أن خدمة الناس هي أعلى درجات الإنسانية. حتى التجارب الحديثة في علم النفس الإيجابي تؤكد أن العطاء يرفع مستوى الرضا الذاتي، ويقلّل من التوتر، ويمنح الشخص إحساسًا بالمعنى. فالإنسان بطبيعته يبحث عن قيمة، ولا يجدها أحيانًا في إنجازاته الخاصة بقدر ما يجدها في قدرة بسيطة على تغيير يوم أحدهم، أو رسم ابتسامة على ملامحه.
لكن هذه اللذة لا تأتي لمن يتعامل مع العطاء بمنطق التجارة أو انتظار المقابل؛ بل تظهر فقط حين يكون الفعل نابعًا من القلب، بعيدًا عن ضجيج الظهور في المنصات أو تسجيل النقاط الاجتماعية. فالعطاء الذي يُبتغى به سمعة لا يكتمل أثره، بينما العطاء الخفي يثمر لذّتين: لذّة للمتلقي، ولذّة أعمق للمعطي.
وفي زمن صارت فيه العلاقات سريعة، والقلوب مزدحمة، والناس يمرّون ببعضهم مرورًا عابرًا، يظل قضاء الحوائج مساحة إنسانية تحفظ ما تبقّى من جمال العالم. فمن يمد يده اليوم ربما يخفف ألمًا لا يعلمه، أو يزيح همًا لم يُحكَ، أو ينتشل شخصًا من انكسارٍ صامت. وكم من حاجة صغيرة غيّرت حياة إنسان، وكم من مبادرة بسيطة أعادت الأمل لمن فقده.
وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يمنح. ومن يذوق لذّة التجربة مرةً، يدرك أن قضاء حوائج الناس ليس مهمة اجتماعية فحسب، بل أسلوب حياة يعيد تشكيل الإنسان، ويجعله أقرب إلى طبيعته الحقيقية: كائنًا خُلق ليشارك، ويواسي، ويعين، ويترك أثرًا جميلًا لا يُنسى.



( ليست قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يمنح ).
نعم
انه العطاء
مقال جميل.
💐💐