مقالات

الفشلُ… حين يخافُ الإنسانُ من التغيير

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ثُمَّةَ أوهامٌ يَتَشَبَّثُ بها الإنسانُ حتى تُصبحَ في نظرِه حقائقَ لا نقاشَ فيها، مع أنها ليستْ سوى ظلالٍ صَنَعَها الخوفُ وباركَتْها العادةُ. أخطرُ هذه الأوهامِ هو اعتقادُ المرءِ أنَّ ما هو فيه قَدَرٌ لا يمكنُ تغييرُه، وأنَّ الاستمرارَ في الدائرةِ نفسها هو الخيارُ الوحيدُ المتاحُ أمامه، وأنَّ خطوةً واحدةً خارجَ المألوفِ قد تجرُّ الخرابَ أو تُفَكِّكَ عُرْوَةَ الاستقرارِ. وهكذا ينشأُ الوهمُ الأكبرُ: وهمُ القيودِ.

فالناسُ في هذا الزمنِ – على اختلافِ طباعِهم وأحوالِهم – يجتمعون على خوفٍ واحدٍ: الخوفِ من التغيير. لا يخشَونَ المجهولَ بقدْرِ ما يخشَونَ مغادرةَ المألوفِ. يَميلونَ إلى البقاءِ في المكانِ نفسِه، والعادةِ نفسِها، والوظيفةِ نفسِها، والمعاناةِ نفسِها، حتى لو كانتْ تُنهِكُ نفوسَهم وتستنزفُ أعمارَهم وأموالَهم. يُفَضِّلون ضَيْقًا في العيشِ يعرِفونَه على اتِّساعٍ في الحياةِ لا يعرِفونَه، وكأنَّ الراحةَ ليستْ في التحوُّلِ، بل في الألمِ الذي أَلِفوه.

وقد أسهمتِ الأمثالُ الشعبيّةُ في ترسيخِ هذا الخوفِ عبر أجيالٍ متعاقبةٍ، حتى غدتْ «قواعدَ ذهنيّة» جاهزةً تكبحُ اندفاعَ الإنسانِ نحو الجديدِ والتجديدِ؛ من قبيلِ: «خلّها على مبنى الشايب»، و«تمسّك بقردك لا يجيك أقردُ منه»، و«عصفورٌ في اليدِ خيرٌ من عشرةٍ على الشجرةِ»، و«القناعةُ كنزٌ لا يفنى». وهذه مجرّدُ أمثلةٍ، وإلّا فالموروثُ الشعبيُّ زاخرٌ بغيرها ممّا يُعمِّقُ النُّزوعَ إلى السكونِ والحذرِ من التغيير.

أمثالٌ تُرَبِّي الإنسانَ على الخوفِ والارتيابِ من كلِّ محاولةِ تغييرٍ، وتُغَذِّي يقينًا وهميًا بأنَّ البديلَ دائمًا أسوأُ، وأنَّ المغامرةَ خُسْرانٌ بيِّنٌ، وأنَّ الاستمرارَ – ولو في الضيقِ – أكثرُ أمانًا مِنَ المضيِّ نحو مجهولٍ قد يكونُ خيرًا محضًا.

غيرَ أنَّ الحقيقةَ أبسطُ وأعمقُ من كلِّ تلك الظنونِ؛ فليس كلُّ ما يخشاه المرءُ خطرًا، ولا كلُّ ما يفرُّ منه شرًّا. فكثيرٌ من الأبوابِ لا تَنْفَتِحُ إلّا بعدَ خطوةٍ يَعُدُّها الناسُ ضربًا من الجنونِ. وما يراه الإنسانُ قيودًا مُحكَمةً إنَّما هو في جوهرِه عوائقُ نفسيّةٌ رَخْوَةٌ، تَنْهارُ حالَما يمدُّ يدَه إليها. أمّا المخاوفُ التي تُثْقِلُ الحركةَ فليستْ سوى جدرانٍ من وَهْمٍ، تبدو صلبةً من بعيدٍ، ثم تتبدَّدُ كلَّما اقتربَ منها.

ويزداد هذا الوهم رسوخًا حين يتعلّق الأمر بما يمكن أن يُسمّى (متلازمة الوالدين): ذلك التشبّث بالعيش في بيت الوالدين أو جوارهما، لا بدافع البرّ وحده – وهذا واجبٌ لا يُجادَل فيه – بل بدافعٍ خفيٍّ من الخوف من الانفصال. فكثيرون يظنّون أن قربهم المادّي من الوالدين هو البرّ الخالص، بينما هو – في جوهره – تذرّعٌ لطيف يخبّئ هروبًا من التغيير، وخوفًا من أن تبدأ الحياة خارج دائرة الأمان الأولى.

ومن صور هذا الوهم أن يُضَحّي الابنُ بحياةٍ أهدأَ وأوسعَ، وينتقل من بيتٍ يوافق حاجاته إلى بيت الوالدين، مع علمه أن خصوصيته ستقلّ، وأن مسؤوليته ستكبر، وأن فرص استقراره العائلي ستضعف. لكنه الخوف من البعد، يلبس ثوب الحُجّة الاجتماعية بينما هو في الحقيقة عجزٌ عن مواجهة الذات.

ومنهم من يترك مدينةً ميسورة الكلفة، ليستقرّ في مدينةٍ باهظة المصاريف لأنها مدينة الوالدين، فيتحمّل أضعاف ما كان ينفقه، وربما ساقه ذلك إلى الضيق أو الحاجة أو الفقر، ومع ذلك يمضي في قراره لأن خوفه من الابتعاد أقوى من حساباته الاقتصادية.

وفي حالاتٍ أخرى، يُلبِسُ الابنُ هذا السلوكَ ثوبَ البرّ، مع أن البرّ الحقيقي – خصوصًا إذا كبِر الوالدان – لا يكون في حبس النفس في المكان القديم، بل في أن يرحلا معه إلى حيث يستطيع أن يوفّر لهما سكنًا أوسع، وحياةً أكرم، ورعايةً أدق. فالابن في هذا العمر يكون أدرى بمصلحتهما منهما، وأقدر على صون شيخوختهما من ضيق المكان وضعف الخدمات ومشقّة المعيشة.

لكن كثيرًا من الأبناء يظنون أن بقاءهم هو الأصحّ، وأن الانتقال عقوق، وما علموا أن الجمود مع الوالدين ليس برًّا، وأن الاستقلال ليس عقوقًا، وأن أعظم البرّ أن يكون الابن قويًّا، مستقِرًّا، قادرًا على العطاء، لا تابعًا ضعيفًا لا يملك أمر نفسه.

ولئلّا يُساء فهمُ هذا الكلام أو يُحمَّل ما ليس فيه، فلابد من التأكيد القاطع على أن المقصود ليس تشجيع الأبناء على ترك الوالدين أو التخفّف من حقوقهما، ولا هو دعوة إلى عقوقٍ مُقَنَّع، حاشا وكلا؛ فبرّ الوالدين واجبٌ شرعيٌّ وأخلاقيٌّ لا جدال فيه.

وإنما المقصود تصحيح مفهومٍ شاع حتى أضرّ بالناس، وهو الظنّ أن البقاء المادّي قرب الوالدين هو البرّ المطلق. والحقّ أن البرّ أوسع من ذلك بكثير: هو الرعاية، والاحترام، والقيام بالواجب، وحماية شيخوختهما، لا تجميد حياة الابن وإفقاره وإضعافه حتى يعجز – في نهاية المطاف – عن نفعهما. فالاستقلال الناضج ليس عقوقًا، والاعتماد المطلق ليس برًّا.

ولعلّ ما كان عليه الناسُ في السابق يوضح هذا المعنى بأجلى صورة؛ فقد كان الابنُ يرحل في طلب الرزق شهورًا، بل سنواتٍ متتابعة، ينقطع فيها عن والديه لانعدام وسائل التواصل وصعوبة المواصلات، ولم يكن أحدٌ – لا هو ولا هما – يرى في ذلك أدنى عقوق.

كانوا يعلمون أن حركة الابن هي ما يعينه على الحياة، وأن رزقه لا ينزل عليه وهو جالس عند عتبة بيت والده، وأن ابتعاده المؤقّت عودةٌ أقوى، لا انفصالًا ولا تنكّرًا.

أما اليوم – مع وفرة وسائل الاتصال وسهولة التنقّل – فقد صار بعض الناس يتوهّمون أن البرّ لا يتحقّق إلا بملازمة المكان، وأن أيّ انتقال هو ضربٌ من الجفاء. مع أن الأجيال السابقة – وهي أقرب إلى الفطرة وأصدق في فهم الحياة – رأت في رحيل الابن أمرًا طبيعيًا، بل خطوةً لازمةً لبناء مستقبله، يعود خيرها على الوالدين قبل أن تعود عليه.

وليس في كتابِ الله ما يدلُّ على تمجيدِ الجمودِ في مكانٍ بعينه، بل جاءتِ الآياتُ تُحُضُّ على الحركةِ، وتكشفُ أنَّ الأرضَ ليستْ قيدًا أو حَبْسًا، بل فُسْحَةً واسعةً.

قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97].

وهذه الآيةُ – على عمومِها – لا تنحصرُ في الهجرةِ لأجلِ الدينِ فقط، بل تشملُ كلَّ انتقالٍ يرفعُ الضيقَ ويدفعُ الضررَ ويُوَسِّعُ على الإنسانِ رزقَهُ ومعاشَهُ، ما لم يكنْ في ذلك خطرٌ على الدينِ أو العقيدةِ. فالأرضُ الواسعةُ دعوةٌ إلى كسرِ السكونِ، وإلى البحثِ عن موضعٍ أصلحَ للنماءِ.

وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15].

فقد جعل الرزق معقودًا بالسعي لا بالركود. وكأن الآية تقول: إنّ البركة تُفتح لمن يمشي، وإنّ الأبواب تُفتح لمن يتحرك، وإنّ الاتساع لا يناله قاعدٌ مهما تمنّى.

ولم يكن جيلُ الصحابةِ – رضي الله عنهم – من أهل الجمود؛ فقد خرجوا من مكةَ والمدينةِ وسكنوا العراقَ والشامَ ومصرَ وفارسَ، لا لأنَّ الأماكنَ الأولى قليلةُ الشرفِ، بل لأنَّ الحركةَ جزء من بناء الحياة. أدركوا أن الإنسان ليس شجرةً مغروسةً لا تتحركُ، بل روحٌ تنمو وتسمو حيث تجد مجالها.

إنَّ الأزمةَ الحقيقيةَ ليستْ في ضيقِ الرزقِ، ولا في المكانِ، ولا في الظروفِ… بل في تردُّدِ الإنسان أمام البابِ المفتوحِ أمامه. فالكثيرون يشتكون حالهم لا لأنَّ واقعهم لا يُحتمل، بل لأنهم يخافون من الخطوة التي يمكن أن تغيّر هذا الواقع. يريدون نتائجَ جديدةً دون تغيير الأسباب، لكنهم يُمسكون بالعادات القديمة، ويرجون اتساعًا دون أن يتحركوا خطوة واحدة نحو الاتساع.

فأولُ خطوةٍ – لا آخرها – هي التي تغيّر حياة الإنسان.

والقيود الكبرى التي يَتحدّث عنها الناس ليست قيودًا من حديد، بل تصوّراتٌ صنعها الخوف حتى تحوّلت في أعين أصحابها إلى أسوارٍ مُحكمة.

وما يسمّونه “استقرارًا” ليس في أكثره إلا سجنًا هادئًا… بابه مفتوح، ينتظر من يجرؤ على العبور.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى