مقالات

المسابقات الشعرية : زينة صوتية أم قيمة فكرية؟

د. مصلح البركات

تواصل المسابقات الشعرية حضورها في المشهد الثقافي من خلال توسع لافت في عدد الفعاليات وارتفاع معدلات المتابعة الجماهيرية، إلا أن هذا الحضور المتنامي ترافق مع تساؤلات متزايدة حول طبيعة المعايير المعتمدة في التقييم، ومدى انعكاسها على جودة النصوص الشعرية المشاركة.

ويرصد متابعون للشأن الثقافي تراجع مشاركة عدد من الشعراء المعروفين بتجاربهم الشعرية المتقدمة، مقابل بروز أسماء جديدة في بعض المسابقات، يلاحظ عليها تركيز واضح على الأداء الصوتي والحضور المسرحي، مع محدودية في البناء اللغوي والعمق الفكري للنص.


ويعزو مختصون هذا التحول إلى تغيّر آليات التقييم، التي باتت في بعض الأحيان تميل إلى التفاعل الجماهيري والانتشار الإعلامي على حساب القيمة الفنية.

ويشير نقاد إلى أن بعض المسابقات انتقلت من كونها منصات تُعنى بتقديم الشعر بوصفه منتجًا ثقافيًا، إلى فضاءات أقرب للعروض الإعلامية، حيث يُقدَّم النص بوصفه مادة سمعية تعتمد على الإلقاء المؤثر، أكثر من اعتماده على سلامة اللغة والصورة الشعرية والتماسك الدلالي.


وفي هذا السياق، يُلاحظ أن غياب الشعراء المتمكنين أسهم في إحداث فراغ في المشهد الشعري داخل هذه المنافسات، شغلته مشاركات تفتقر إلى النضج الفني، لكنها تحظى بفرص التقدم نتيجة عوامل غير مرتبطة بجودة النص. ويرى مختصون أن هذا الواقع أفرز ما يُعرف بـ”أنصاف الشعراء”، الذين يمتلكون الجرأة على المنبر دون امتلاك أدوات الكتابة الشعرية المتكاملة.


كما يثير مهتمون بالشأن الأدبي تساؤلات حول دور لجان التحكيم، مؤكدين أن غياب معايير نقدية واضحة أو ثباتها ينعكس على مصداقية النتائج، ويحد من قدرة المسابقات على أداء دورها في اكتشاف المواهب الحقيقية وتنمية الذائقة الأدبية.


ويرى مراقبون أن استمرار هذا المسار قد يؤثر في المشهد الشعري العام، من خلال تكريس نماذج تعتمد على الصوت والأداء على حساب اللغة والفكرة، ما يستدعي مراجعة آليات التنظيم والتقييم، وإعادة الاعتبار للنص الشعري بوصفه الأساس في التقييم.


ويؤكد مختصون أن المسابقات الشعرية لا تزال تمثل فرصة مهمة لدعم الحركة الأدبية، شريطة تعزيز المعايير المهنية في التحكيم، وتحقيق توازن حقيقي بين الشكل والمضمون، بما يسهم في الحفاظ على القيمة الثقافية لهذه المنافسات ويضمن حضور الشعراء أصحاب التجارب الجادة.

تعليق واحد

  1. طرح د. مصلح البركات إشكالية مهمّة بهدوء يُحسب له،
    لكن جوهر المسألة أعمق من توصيف المشهد.

    ليست المشكلة في المسابقات الشعرية بحد ذاتها،
    بل في السؤال الذي لم نعد نجرؤ على طرحه بوضوح:
    هل نكافئ النص أم نكافئ الصدى؟

    حين يتحوّل الشعر إلى أداء يُقاس بعلوّ الصوت،
    ويُستبدل العمق بالتأثير اللحظي،
    لا نخسر شاعرًا غائبًا فقط،
    بل نخسر ذائقةً تُربّى على التصفيق بدل الفهم.

    ما يحدث ليس تراجعًا في الشعر،
    بل إعادة تعريف له خارج اللغة،
    وكأن القصيدة لا تكتمل إلا إذا صُفِّق لها،
    لا إذا سكنت في الذاكرة.

    وأخطر ما في الأمر أن “أنصاف الشعراء”
    لا يأتون من فراغ،
    بل تُنتجهم منصات لا تسأل عن النص
    بقدر ما تسأل: كيف قيل لا ماذا قيل.

    المسابقة التي لا تجعل النص هو الحكم الأول
    تتحوّل – مهما حسنت نواياها –
    من مختبر موهبة
    إلى مسرح مؤقت.

    والشعر لا يعيش مؤقتًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى