مقالات

براقش لم تمت… ما زالت تتزهل وتُخطئ

مقالات الإعلامي حامد الطلحي الهذلي

جنت على نفسها حين ظنّت أن الجرأة تُغني عن القدرة وأن التقدّم بلا وعي يُحسب بطولة

في كل مرحلة اجتماعية، تظهر براقش بثوب جديد، لا تحمل الاسم ذاته، لكنها تحمل السلوك نفسه، تتقدّم قبل أن تفهم، وتتحرّك قبل أن تُقدّر، وتعلن المواقف قبل أن تحسب ثمنها، ثم تقف مذهولة حين تُطالب بتحمّل نتائج ما صنعت بيدها.

المثل العربي «جنت على نفسها براقش» ليس حكاية عابرة من تراث قديم، بل قانون اجتماعي يتكرر كلما تقدّم التزهل على العقل، وكلما خُدع الإنسان بصوته العالي وظنّه قوة، وبحماسه وظنّه وعيًا، وباندفاعه وظنّه شجاعة.


براقش في معناها الأوسع ليست كائنًا واحدًا، بل حالة ذهنية تتكرّر في أشخاص يعتقدون أن التصدّر بطولة، وأن المبادرة غير المحسوبة فضيلة، وأن فتح المعارك دون استعداد يُكسبهم قيمة اجتماعية أو رمزية، ثم يكتشفون متأخرين أنهم لا يملكون أدوات المواجهة، ولا قدرة الاحتمال، ولا شجاعة الاعتراف بالخطأ.

التزهل… حين يتحوّل إلى عبء اجتماعي

التزهل ليس حماسة بريئة كما يُروَّج له، بل ادّعاء مؤقت للقوة، ينهار عند أول اختبار حقيقي. هو أن ترفع سقف التوقعات، وتدفع الآخرين للاصطفاف خلفك، ثم تنسحب بصمت حين تبدأ التكاليف بالظهور.
المتزهل لا يؤذي نفسه فقط، بل يورّط غيره، يشوّه القضايا، ويفسد الأفكار، ويحوّل المواقف الجادّة إلى فوضى، ثم يتخفّى خلف أعذار جاهزة: «لم أقصد»، «سُوء فهم»، «كنت متحمسًا». وكأن النوايا الحسنة تمحو النتائج السيئة.


الخطير في التزهل أنه يُقنع صاحبه بأنه قائد قبل أن يكون مسؤولًا، وبأنه مؤثّر قبل أن يكون واعيًا، وبأنه صاحب موقف قبل أن يكون قادرًا على الدفاع عنه، فيسقط لا لأنه جريء، بل لأنه تجرّأ في غير موضع الجرأة.

حين يكون الصمت أكثر احترامًا

ليست كل القضايا بحاجة إلى صوتك، ولا كل المواقف تحتاج حضورك، ولا كل معركة تستحق أن تخوضها. الحكمة الاجتماعية لا تعني الخوف، بل تعني معرفة الذات وحدودها، ومعرفة متى يكون الكلام إضافة، ومتى يكون عبئًا، ومتى يكون الصمت إنقاذًا.

الذي لا يستطيع إكمال الطريق، لا يملك الحق في فتحه على الآخرين، والذي لا يتحمّل تبعات قراره، لا ينبغي له التزهل بالفعل، فالمواقف ليست استعراضًا، والقضايا ليست مساحة تجريب، والناس ليسوا وقودًا لحماسة عابرة.

الخاتمة الصادمة

المشكلة ليست في الخطأ، ولا في التجربة، ولا حتى في السقوط، فكل ذلك جزء من الحياة، لكن الكارثة الحقيقية أن تُصرّ على لعب دور أكبر من وعيك، وأثقل من قدرتك، ثم تتبرأ من النتائج وكأنك لم تكن السبب.

براقش لم تمت، بل تتكاثر، تتبدّل أسماؤها ووجوهها، لكنها في كل مرة تفعل الشيء ذاته: تتزهل، تُخطئ، وتجني على نفسها… ثم تترك غيرها يدفع الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى