
في شمال جازان، وعلى مسافة تقارب السبعين كيلومترًا من قلب المدينة، تتربع بيش على خاصرة الطبيعة، وتفتح ذراعيها لسهول فسيحة، وشواطئ تلمع كالحلم، وأودية عملاقة لا تعرف الجفاف. هنا، لا تمرّ الطبيعة كمشهد عابر، بل تُقيم سيرةً كاملة، وتغرس ذاكرتها في كل موسم جديد.
تتلوّن بيش مع المطر، فتتحوّل شعابها وسهولها وأوديتها إلى لوحة حيّة، تفيض بالخصب والعطاء. تربة سخية تعرف سر الإنبات، وأرض تُجيد صناعة الفرح، فتتحوّل إلى سلة خضراء لجازان؛ تُخرج المانجا والبامية والتين، وتمنح الورقيات والطماطم نضارتها، وتفيض بالسمسم والحبحب والدخن والبطيخ، كأن الطبيعة فرشت مائدتها تحت الشمس.
وفي قلب هذا الجمال، يظل وادي بيش علامة فارقة؛ نبض لا يهدأ، وماء لا ينقطع، وخضرة تمتد على مرمى البصر. وادٍ يكتب اسمه في جبين المكان، ويمنح المدينة هويتها بين البحر والأودية الخضراء، حيث تتعانق الزراعة مع الطبيعة في مشهد يأسر العين والروح معًا.
ولا تكتفي الأرض بالعطاء الصامت، فبيش موطن النباتات العطرية التي تميّز جازان؛ من الكادي والفل، إلى البعيثران والشيح، روائح تسكن الذاكرة قبل الأنف. ومن وفرة منتجاتها الزراعية والبحرية، وصناعاتها الشعبية والرعوية، تحوّلت بيش إلى سوق نابض بالحياة، ووجهة يقصدها القرى والهجر والمحافظات المجاورة بحثًا عن الرزق ودفء المكان.
وتستند بيش إلى تاريخ موغل في القدم، يجاوره جمال طبيعي يستوقف الزائر من أول نظرة. مراعيها الواسعة تحتضن تربية الماشية، فيما جعل موقعها على الطريق بين مكة المكرمة وجازان محطة لقوافل الحجاج والمعتمرين، شاهدةً على حركة الإنسان منذ قرون، وعلى تعاقب الحكايات فوق هذه الأرض.
وللبحر هنا حضوره الساحر؛ شاطئ هادئ، وجزر تتناثر أمام الواجهة البحرية كعقود من الضوء، من بينها ثيران وغراب ورقبين، تحمل تنوعًا بحريًا غنيًا، وسواحل بكرًا، وتجويفات صخرية تهمس بأسرار الموج والزمن.
كل هذه المقومات—الزراعية، البحرية، الرعوية، المائية والحضارية—انصهرت في صورة واحدة، لتغدو بيش واجهة سياحية واعدة في قلب المملكة؛ مدينة لا يهدأ فيها نبض الطريق الدولي، ولا تنطفئ فيها حكاية المكان، حيث يمرّ الزمن… وتبقى بيش.
في جناح محافظة بيش، المقام على الشاطئ الشمالي للواجهة البحرية، تتجسد الثقافة في أبهى صورها، والذاكرة في أصدق ألوانها، بدعم ورعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز، وبمتابعة سمو نائب أمير منطقة جازان الأمير ناصر بن محمد بن عبدالله بن جلوي. هنا، تتحول كل خطوة إلى رحلة بين عراقة الماضي وحداثة الحاضر، وكل زاوية تحكي قصة طبيعة تتفتح فيها الزهور، وتتنفس فيها النفوس حريّة الإبداع والانبهار.
العروض التفاعلية، والحرف اليدوية، والمنتجات المحلية، تنسج معًا سيمفونية من الأصالة والفرح، لتصبح بيش وجهة تتلألأ بالثقافة والجمال، وتفتح أبوابها لكل عاشق للطبيعة والفن. وكل أسبوع، من الخميس إلى السبت، تتجدد الفعاليات في مهرجان “هذه جازان”، لتغمر الزوار بتجربة فريدة، حيث تلتقي الضحكات بروائح البحر، وتتمازج نسمات الجبال مع نغمات الموسيقى الشعبية، فتخلق لحظة ساحرة يلتقي فيها القلب بالعين، والخيال بالواقع.
المهرجان ليس مجرد احتفال، بل هو تجربة حياة، يعكس أصالة الإنسان الجازاني، ويجسد رؤية المملكة 2030 في تنمية السياحة، والارتقاء بالتراث، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتقديم حياة أفضل للمجتمع والزوار على حد سواء.
في بيش، يصبح الزائر جزءًا من لوحة فنية تتنفس، ومشهدًا حيًّا تتراقص فيه الطبيعة والثقافة، ليغادر وهو يحمل في قلبه ذكريات تضيء الطريق بين الماضي والحاضر، بين الحلم والواقع، بين جمال الطبيعة وروعة الإنسان.






كتبه أ – حمد دقدقي




