مقالات

جناحان لا يبلغان الأرض : (مونولوج)

هويده عبد العزيز

بيننا سوء فهم، وأجدني أتساءل: لماذا يُساء فهم الصمت دائمًا؟ كأن الهدوء جريمة، والثقة تحتاج إلى إثبات يومي لا يغيب.

لم أكن أغار، ولم أكن أعدّ النساء حولك، ولم أخف الفقد يومًا؛ بعض النرجسية لا تضر… فالهوامش لا تُخيف المتون. ما أزعجني حقًا أن يعلو الضجيج، أريد أن تبقى المساحة حول ما أحب ضوؤها خافتًا، محميًا من الأعين.

لم أرد يومًا أن أعزلك عن العالم، ولا أن أختطفك من محيطك. كنت أكتفي بالمشاهدة الصامتة: ابتسامتك حين لا تنتبه، ذلك الوجه الطفولي الذي يخون عمرك، أيها العجوز الذي لم يشيخ قلبه بعد. كنت أراك، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى فراشات تعبث بحدائق قلبي.

كانت الثقة عهدنا الأول، ذلك الأمان الذي سكن عينيك، وتلك النظرة الحانية التي سبقت الكلمات بخطوات. كان هناك ضوء تمدد في غرف قلبي، دخلته دون حذر، فانهارت دفاعاتي على حين غرة. لعل ذلك كان خطئي الوحيد.

أنت تعرفني جيدًا، كما لم يعرفني العالم، ويكفيني من العالم أنت. أنا ابنة الظلال، سليلة الظلام، سيدة الصمت. لا أحب الوجوه المبهرجة، ولا التصفيق الملتهب، ولا الزحام الذي يبتلع الروح. قلت لك ذات مرة إن لي رغبة أن أعيش على الحدود، على الهوامش، على السطور؛ ليس انتقاصًا ولا هروبًا، بل لأن في مقام العارفين تستوي الطرق.

منذ جئت وأنت تعلم أن ليلًا طويلًا يسكنني. لم أُخفه عنك، ولم يكن يومًا جدارًا بيننا، ومع ذلك حاولت أن أسير معك تحت النهار، وأن أعتاد الضوء لأجلك. ليس هيّنًا أن تنزع من صمتك، حتى وأنت بليغ فصيح تجيد إلقاء الخطب؛ فالضوء، يا عزيزي، ليس دائمًا لطيفًا ولا رؤوفًا بالعيون التي اعتادت العتمة وطنًا للأرواح المتعبة.

أفكر الآن وأبتسم بمرارة خفيفة: عيني لم تخن، أليس كذلك؟ هي عنيدة مثلك. ربما لو قلت لك الحقيقة كاملة لقلت إن عيني، من بين عيون العالم، لا ترى سواك، ولا تقرأ إلا ملامحك، ولا تحفظ إلا تفاصيلك.

ربما هذا ما لم تفهمه، رغم ذكائك الجارف، وربما لن يُفهم أبدًا. فنحن مختلفان كليًا:
أنت تسير على الأرض بخطى واثقة وتغوص في لجج البحار دون أن يغرقك تفاصيله، بينما أنا لا أعرف إلا صفحات السماء، ولا أملك سوى جناحين من نور، والآن أزل عن قلبك تهمة أنك خنتني ولو فعلتها حرفيا، أنت لم تخن، صدقني أن قلت أن من خانتني كانت قدماي حين لم تعد قادرة على السير نحوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى