
قبل أن تصبح المعرفة متاحة بضغطة زر، وقبل أن تتحول المعلومة إلى سلعة يومية يتداولها الجميع، نشأ جيلٌ شقّ طريقه في الحياة بأدوات محدودة، واعتمد على الحدس والخبرة والتجربة أكثر من اعتماده على المصادر والمرجعيات.
كان ذلك الجيل يعمل ليتعلّم، ويتعلّم ليبقى، لا ليحصد الشهادات أو يتباهى بالألقاب.
هذا الجيل لم يعرف الدورات المكثفة، ولا المنصات الرقمية، ولا الإرشادات المكتوبة بعناية.
تعلّم من الخطأ، ومن الميدان، ومن مراقبة من سبقوه. كانت المعرفة تُلتقط كما تُلتقط النار قديمًا: بحذر، وبمشقة، وبمسؤولية.
لذلك جاءت خبرته عميقة، متجذرة، وإن بدت غير موثقة على الورق.
في سنوات الكفاح، حمل أبناء هذا الجيل أعباء البناء في التعليم والإدارة والعمل المهني والحرفي. أسهموا في تأسيس المؤسسات، ووضعوا اللبنات الأولى لأنظمة ما زالت قائمة حتى اليوم.
لم يكن النجاح آنذاك نتيجة تخطيط استراتيجي مدروس، بل ثمرة صبر طويل، وإيمان بالعمل، والتزام أخلاقي تجاه الواجب.
ومع اتساع الوفرة المعرفية في العقود اللاحقة، وجد هذا الجيل نفسه في مفارقة صامتة: ما كان يُنجز بالأمس بالخبرة وحدها، صار اليوم محاطًا بالأدلة والنماذج والتقنيات.
ومع ذلك، بقيت خبرته هي المرجع الحقيقي عند الأزمات، والملاذ الأخير حين تفشل النظريات.
وحين بلغ هذا الجيل مرحلة التقاعد، لم يكن ذلك انسحابًا بقدر ما كان انتقالًا هادئًا من الفعل إلى الشهادة. تقاعدوا من الوظيفة، لا من الحكمة.
غادروا المكاتب، لكن أثرهم ظل حاضرًا في الأنظمة، وفي القيم المهنية، وفي ذاكرة المكان.
إن الحديث عن جيل ما قبل الوفرة المعرفية ليس استدعاءً للحنين، بل دعوة للإنصاف هو تذكير بأن ما نعيشه اليوم من سهولة الوصول إلى المعرفة، إنما قام على أكتاف من لم يملكوها، فصنعوا البديل: العمل الجاد، والانضباط، والتعلّم المستمر من الحياة نفسها.
ذلك الجيل لم يكن أقل معرفة، بل كان مختلف الطريق؛ طريقًا أطول، وأقسى، لكنه أكثر رسوخًا.
- انطلاق منافسات اليوم الأول لبطولة الكرة الطائرة الشاطئية بتنظيم الاتحاد السعودي للكرة الطائرة
- جمعية الإحسان في مهرجان جازان 2026… حين تتجسّد الصحة فرحًا، والعطاء أثرًا مستدامًا
- النائب العام الشيخ سعود بن عبدالله المعجب يزور أركان المحافظات المشاركة في فعاليات مهرجان جازان 2026..
- ركن محافظة الطوال بشتاء جازان يستقطب ويجذب الزوار والمتنزهين ويقدم موروثات شعبية
- اترك باب الرجوع مواربًا



