مقالات

حينَ تقتربُ القناعةُ من الانهيارِ

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليس عجيبًا أن تجالس أناسًا متباينين في الأسماء والوجوه والانتماءات، ثم تخرج بانطباعٍ واحد: الأفكار متشابهة، والآليات واحدة، والنتيجة متوقعة سلفًا.

يُطرَح الموضوع، فتبدأ المحاورة في ظاهرها هادئة، غير أنها سرعان ما تنحرف عن مسار الفهم إلى مسار الانتصار، وكأن الحقيقة ليست مقصدًا يُتواصى عليه، بل راية لا يجوز أن تسقط من يد صاحبها.

والمفارقة أن أحدًا لا ينكر – في الخطاب العام – قيمة الصدق مع النفس، ولا يُجادل في فضل الاعتراف بالخطأ، ولا يعترض على التواضع للحق بوصفه خُلُقًا رفيعًا. فهذه المعاني راسخة في الوعي الديني والأخلاقي، محفوظة في النصوص، ومتداولة في المواعظ.

غير أن الإقرار النظري بالفضيلة شيء، والقدرة على احتمالها عند الامتحان شيء آخر.

فالبحث عن الحقيقة ليس تمرينًا ذهنيًا باردًا، بل تجربة داخلية مُكلفة، تقتضي استعدادًا لمواجهة الذات حين تتصدّع قناعاتها، واحتمال الفراغ الذي يعقب انهيار ما كان يمنح الشعور بالأمان.

أما الدفاع عن فكرة جاهزة – مهما بدت واهية – فيوفّر للنفس استقرارًا سريعًا، ويعفيها من مشقّة المراجعة ومخاطرة التغيير.

وحين تتجاوز الفكرة كونها رأيًا قابلاً للأخذ والرد، وتغدو جزءًا من هوية صاحبها، يتحوّل النقاش من مساحة تفكير إلى ساحة تهديد.

فلا يُستقبل السؤال بوصفه أداة كشف، بل يُؤوَّل باعتباره اعتداءً شخصيًا. عندها يتقدّم الصوت، ويتراجع البرهان، ويُستدعى الانفعال بدل التأمل، لا لقوة الحجة، بل لفقدان السيطرة.

فارتفاع النبرة في تلك اللحظة ليس دليل ثبات، بل علامة اضطراب. والهجوم لا يراد به تفكيك الفكرة، بل صرف النظر عنها بنقل المواجهة من القول إلى القائل.

أما الغضب، فهو غالبًا إعلان صامت عن عجز العقل عن مواصلة الدفاع، فيُستدعى الشعور ليحسم ما عجز عنه المنطق.

وحين تفشل هذه المخارج، يأتي تغيير الموضوع كقفزة أخيرة، لا طلبًا لمعنى جديد، بل فرارًا من موضع صار خطرًا.

ولا ينبغي أن تُفهم هذه السلوكيات على أنها دومًا ناتجة عن سوء طوية أو فساد مقصد، بل هي في كثير من الأحيان ثمرة نفسٍ لم تتعلّم كيف تتراجع دون أن تشعر بالتهديد، ولم تُدرَّب على الخسارة الفكرية بوصفها سبيلًا للنضج لا إهانة للذات.

فالتواضع للحق – وإن كان في حقيقته رفعة – يمرّ عادة بلحظة انكسار داخلي هادئ: انكسار للوهم لا للكرامة، غير أن الخلط بينهما شائع.

ومن هنا تبقى الفضائل معروفة، لكن ممارستها محدودة. ويظل الحديث الشريف: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»متداولًا على الألسن، غير حاضر عند لحظة الخلاف.

إذ يُستدعى الدين للوعظ العام، لا للمساءلة الذاتية، ويُوظَّف في تقويم الآخرين أكثر مما يُنزَل على النفس.

والفارق الحقيقي بين من يلتمس الحقيقة ومن يطلب الغلبة لا يكمن في سعة الاطلاع ولا في حدّة الذكاء، بل في مقدار الشجاعة الداخلية. شجاعة الاعتراف، وقبول النقص، والعيش مع عدم الاكتمال. فالحقيقة لا تُهين الإنسان، لكنها لا تحرس صورته المتخيَّلة عن نفسه.

ولهذا، حين ترى الحوار ينقلب صخبًا، والنقاش يتحوّل خصومة، والموضوع يُبدَّل على عَجَل، فاعلم أنك لم تضلّ المسار، بل بلغت حدّه. فليس كل عقلٍ مهيأ للرؤية، ولا كل نفسٍ قادرة على احتمال الحقيقة حين تقترب أكثر مما يسمح به أمانها الداخلي.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى