مقالات

حينَ يكونُ البُعدُ شَرَفًا لا قَطيعة

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليسَ الهَجرُ كُلُّهُ قَطيعةً، ولا كُلُّ ابتعادٍ جَفاءً. فَثَمَّةَ مَسافاتٌ يَصنَعُها العَقلُ قبلَ الخُطى، ويُقَرِّرُها القَلبُ قبلَ الأَقدامِ، لتكونَ سِتارًا لَطيفًا يَحمي الرّوحَ من مواطِنِ الإيذاءِ، ويُحافِظَ على نَقاءِ القَلبِ من أن يُستنزَفَ في غيرِ حَقٍّ. فلم يَحدُثْ يومًا أنِ اعتَدنا قَطعَ الأرحامِ أو هَجرَ ذوي الحقوقِ، لكنَّنا – في المقابِلِ – تَعَلَّمنا أن نبتَعِدَ عن السَّيِّئينَ وأهلِ الحَسَدِ والغِيبةِ، وأن لا نَسمَحَ لِقلوبِنا أن تكونَ مَرتَعًا لأصحابِ النَّوايا المَسمومةِ.

فالـرَّحِمُ حَقٌّ لا يُمَسُّ، وصِلَةٌ لا تُقطَعُ، ومَوَدَّةٌ جُعِلَتْ في أصلِ الفِطرةِ فَحُرِّمَ انتِهاكُها. ولكن بينَ الرَّحِمِ والاختِلاطِ مَسافةٌ؛ وبينَ الواجبِ في الوَصلِ وواجبِ حمايةِ النَّفسِ حاجِزٌ من الحِكمةِ. فمِنَ النّاسِ مَن تَصِلُهم دونَ أن تُقارِبَهم، وتَزورُهم دونَ أن تُجاوِرَهم، وتُحسِنُ إليهم دونَ أن تَفتَحَ لهم أبوابَ قَلبِك. فالدِّينُ لم يَأمُرْنا أن نَسكُنَ في مواطِنِ الأذى، ولا أن نَفتَحَ صُدورَنا لِكُلِّ ذي لِسانٍ حادٍّ، ولا أن نُسَلِّمَ قُلوبَنا لأصحابِ النَّوايا المُشبوهةِ، والأفكارِ المَسمومةِ.

وليسَ من المروءَةِ أن يَبذُلَ الإنسانُ وُدَّهُ خالِصًا، فيُرَدَّ عليهِ بوجهَينِ: وجهٍ أمامَهُ، ووجهٍ آخَرَ خَلفَهُ. وقد مَضَتْ تَجارِبُ الحياةِ تقولُ لنا إنَّ هناكَ قُلوبًا يُفسِدُها الإحسانُ، وأرواحًا لا يَزيدُها اللُّطفُ إلّا جُرأةً على الأذى. فكيفَ يَطمَئِنُّ القَلبُ إلى مَن لا يَخشى اللهَ، ولا يَحفَظُ سِرًّا، ولا يُراعي عهدًا؟ وكيفَ يَقتَرِبُ ممَّن يَبتَسِمُ في الوَجهِ، ثمَّ يَغتابُ في الغِيابِ، ويَصوغُ من الوُدِّ سُمًّا خَفيًّا؟

وهناكَ نُفوسٌ تُرهِقُكَ حتّى لو لم تَفعَلْ شيئًا؛ نُفوسٌ إذا خالَطتَها سَرَقَتْ من روحِكَ نورًا، ومن صَدرِكَ سَكينةً، ومن أيّامِكَ طُمأنينةً، ومن قَلبِكَ سَعادةً. وقد قيلَ قديمًا في كُتُبِ الوَعظِ والزُّهدِ: «مُجالَسةُ الأخيارِ غَنيمةٌ، ومُجالَسةُ الأشرارِ غَرامةٌ». وليسَ من البِرِّ أن يَضَعَ الإنسانُ قَلبَهُ في يَدٍ لا تَحفَظُهُ، ولا من العَقلِ أن يُبقِيَ على صِلَةٍ تَستَنزِفُ روحَهُ، ولا من المروءَةِ أن يُساكِنَ أهلَ الغِيبةِ وهو يَعلَمُ أنَّهُم إن غابَ اغتابوهُ، وإن حَضَرَ احتَقَروا خيرَهُ، وإن أحسَنوا إليهِ عَدُّوا إحسانَهُ دَينًا لا فَضلًا.

نحنُ لا نَتَكَبَّرُ، ولكن نَخشى على أنفُسِنا من السُّقوطِ في مَساوِئِ الأخلاقِ.

لا نَقسُو، ولكن نَأبَى أن نُؤذى مِرارًا باسمِ الوُدِّ وصِلَةِ الرَّحِمِ.

لا نَبتَعِدُ عَبَثًا، ولكن نَمتَنِعُ أدبًا، حِفاظًا على ما تَبقّى في القَلبِ من استِقامةٍ وطُمأنينةٍ.

إنَّ البُعدَ عن أصحابِ النَّوايا الرَّديئةِ ليسَ جَفاءً، بل تَهذيبٌ للرّوحِ؛ وليسَ قَطيعةً، بل روحٌ تَعرِفُ مَقامَها؛ وليسَ تَعاليًا، بل حِفاظٌ على صَفاءِ القَلبِ كي لا يَتَعَفَّنَ في بيئةٍ موبوءةٍ بالغِيبةِ والحَسَدِ والتَّلوُّنِ والنُّكرانِ.

وهكذا يُدرِكُ الإنسانُ أنَّ الصُّدورَ الواسِعةَ لا تُبنى بالاقتِرابِ من الجميعِ، بل بحُسنِ الاختِيارِ؛ وأنَّ السَّلامَ الدّاخليَّ لا يَصنَعُهُ كثرةُ العلاقاتِ، وتَعَدُّدُ الصَّداقاتِ، بل أصدقُها؛ وأنقاهَا وأطهَرُها، وأنَّ الرِّفعةَ الحَقيقيّةَ ليست في كثرةِ الأصحابِ، بل في طَهارةِ النَّفسِ وسُموِّها.

فما أبعَدَ هذا الهَجرَ عن القَطيعةِ، وما أقرَبَهُ إلى الحِكمةِ. وما أصدَقَ هذا البُعدَ حينَ يكونُ قُربًا إلى اللهِ، وقُربًا إلى السَّكينةِ، وقُربًا إلى النَّفسِ الّتي لا تَرضى بالدَّناءةِ. فكرامةُ القَلبِ ليست موضِعًا للتَّجربةِ، ورَجاحةُ العَقلِ ليست موضِعًا للتَّسليةِ، وهدوءُ الرّوحِ لا يُضَحَّى به لأجلِ علاقةٍ لا تُثمِرُ خيرًا ولا تُنبِتُ مَوَدَّةً.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى