مقالات

حين تتزيَّا الهشاشةُ بثوبِ القوّة

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ثمة شخصيات لا تُعرَف من صمتها، بل من ضجيجها؛ لا من ثباتها، بل من كثرة تبريراتها. تظهر في المجالس متماسكة، حادّة اللسان، واثقة النبرة، غير أن هذه الصلابة الظاهرة ليست إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها هشاشةً عميقة واضطراب نفسي أعمق، سرعان ما تتصدّع عند أول مساءلة.

هذا النمط من البشر يجيد الهجوم أكثر مما يجيد الوقوف. يطلق الأحكام بسخاء، ويقذف الآخرين بالنقائص كأنما يتطهّر بإسقاطها عن نفسه. وحين يُشار – بهدوءٍ أو عقل – إلى موضع خطئه، لا يواجه، بل ينهار. يتراجع فجأة إلى موضع الضحية، ويستدعي الدموع، ويستعين بسوء الفهم المصطنع، لا لطلب الحق، بل لتعطيل المحاسبة.

إنه لا يدافع عن رأيه، بل عن صورته.

ولا يخاصم دفاعًا عن فكرة، بل صونًا لوهمٍ يخشى عليه من التصدّع.

وفي سلوكه الاجتماعي، يبدو حضوره ناقصًا إن خلا من سند. لا يقوى على مواجهة المواقف منفردًا، فيستصحب الآخرين ليشدّوا أزره، أو ليكونوا شهودًا على مظلوميته المعلنة. وإذا خاصم، خاصم بهم؛ وإذا ضعف، احتمى خلفهم. كأن شخصيته لا تكتمل إلا إذا توزّعت على غيره.

أما حديثه الدائم عن الانشغال، والتحصيل، والمشاريع المؤجلة، فليس سوى سردٍ طويل لتأجيل الحياة. عقود تمضي، والنتيجة واحدة: لا إنجاز يُحتكم إليه، ولا ثمرة تُشهد. ومع ذلك يبقى العذر جاهزًا، متجدّدًا، كأن الزمن نفسه هو المسؤول عن العجز، لا صاحبه.

وفي ميدان القيم، تتجلّى الازدواجية بأوضح صورها. فهو شديد الجرأة في نقد من لا ينتمي إلى دائرته، صلبٌ في إدانة البعيد، لكنه أعمى أمام أخطاء المقرّبين. الحق عنده لا يُقاس بالعدل، بل بالقرب؛ ولا يُعرف بالميزان، بل بالهوى. فإن نُبّه إلى خطأ من يحب، أسكت المتكلم، واحتجّ بأن الأمر لا يعنيه، كأن الأخلاق شأنٌ انتقائي، يُفعَّل ويُعطَّل بحسب المصلحة.

هذه الشخصية لا تعيش الشر عن قصد، ولا تتعمّد الأذى بوصفه أذى، لكنها عاجزة عن مواجهة ذاتها. تخشى الوقوف أمام المرآة، لأن ما فيها لا يشبه الصورة التي اعتادت تصديقها. ولهذا تستميت في الدفاع، وتغرق في التبرير، وتلوذ بالاستعطاف، كلما اقتربت الحقيقة.

وأخطر ما في هذا النمط أنه لا يتغيّر بالشفقة، ولا يُصلَح بالمجاملة، بل يزداد رسوخًا كلما أُعفي من تبعات أفعاله. فكل دمعة تُستعمل بدل الاعتراف، وكل صمت يُفرض بدل الحوار، إنما يضيف طبقة جديدة من الوهم، ويؤجل الانهيار لا أكثر.

إنها شخصية لم تُهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تتعلّم كيف تكون مسؤولة حقًا.

ولم تفشل لأنها قليلة الذكاء، بل لأنها اعتادت الهروب بدل المواجهة.

ويبقى السؤال مفتوحًا، لا موجَّهًا إليها بقدر ما هو موجَّه إلى من حولها:

هل نملك الشجاعة لنفهم دون أن نُبرِّر؟

وهل نستطيع أن نُحسن دون أن نُكافئ على الخلل؟

وهل نستطيع أن نضع حدودًا هادئة تحمينا من الانزلاق إلى المصيدة؟

وهل نقدر أن نأخذ بيده، من دون أن نُعينه – عن غير قصد – على إيذاء نفسه بسبب ضعفه؟

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى