
لم تكن الكتابة يومًا مجرّد حروف تُسجّل على سطح جامد؛ كانت وما زالت حاجة إنسانية عميقة للتنفيس والبوح والتعبير عن الذات. ولهذا، حين ضاقت الأوراق أو غابت المنابر، لجأت الأجيال إلى أقرب مساحة فارغة تُشبهها. هكذا وُلدت الكتابة على الجدران، ثم تحوّلت – عبر الزمن – من فعل عابر إلى ظاهرة اجتماعية تعبّر عن المشاعر المكبوتة، والاحتجاج، والذكريات، وحتى السخرية من الواقع.
لكن المجتمع اليوم يشهد انتقالًا لافتًا: الجدار الصامت لم يعد السطح المفضل للبوح، بل صارت الثياب ذاتها جدارًا جديدًا. ومع اختلاف الدوافع والسياقات، تُصبح القطعة القماشية مساحة شخصية يضع فيها الإنسان مشاعره كما هي، بلا تكلّف ولا قيود.
في حفلات التخرّج من مراحل التعليم العام أو الجامعي، تتحوّل قمصان الطلبة وعباءاتهم إلى دفتر ذكريات حيّ. تُكتب عليها رسائل قصيرة، ودعوات صادقة، وعبارات محبّة، وطرائف مشتركة. كل توقيع يحمل قصة، وكل كلمة تُوثّق عامًا كاملًا – أو رحلة عمر – في لحظة وداع لا تُنسى. كأن الطالب يعيد تعريف الثوب بوصفه وثيقة اجتماعية تُسجّل انتقاله من مرحلة إلى أخرى، تمامًا كما كانت الجدران تُسجّل انتقال المجتمعات عبر الأزمنة.
وامتدّ هذا السلوك ليبلغ ذروته في ثوب العريس ليلة زفافه؛ تلك الليلة التي يُفترض فيها أن يكون الثوب رمزًا للهيبة والوقار، فإذا به يتحول إلى مساحة للضحك والمرح والرسائل الطريفة. يوقّع الأصدقاء على الثوب، يكتبون التهاني، ويتركون بصماتهم، وكأنهم يثبتون حضورهم في لحظة مفصلية من حياة صديقهم. وفي الوقت ذاته، يعبّر العريس عن قبوله بذلك باعتباره مشاركة وجدانية تُفرغ التوتر وتحوّل رهبة المناسبة إلى شعور عائلي دافئ.
هذا التحول من الجدار إلى الثوب ليس مجرد تغيير في المكان، بل تحوّل ثقافي يدل على تبدّل وسائل التعبير في المجتمع. فقد تراجع حضور الجدران كشكل من أشكال الاحتجاج أو التنفيس العشوائي، لصالح مساحات أكثر حميمية وارتباطًا باللحظة. الثوب هنا ليس ملكًا عامًا «منفلتًا» كما هو الجدار، بل مساحة شخصية تُعبّر عن صاحبها وتبقى ذكرى له وحده.
ومع ذلك تبقى الأسئلة مفتوحة: هل هذه الظاهرة تعبير حضاري جديد أم مجرّد موجة عابرة ستتلاشى؟ وهل يظل الثوب جدارًا جميلًا للذكريات أم يتحوّل – مع المبالغة – إلى فوضى شكلية؟ الأكيد أن الإنسان سيظل يبحث دائمًا عن مساحة يكتب فيها ما لا يستطيع قوله، وأن الكتابة ستستمر في التنقل من جدار إلى آخر، ومن قماش إلى آخر، ما دام هناك قلب يريد أن يبوح.



