
ليست كلّ الجراح سواء؛ فثمّة جراحٌ تُحتمل، وأخرى تُجتاز مع الزمن، لكن أخطرها تلك التي لا تُحدث ضجيجًا، لأنها لا تأتي من خصمٍ ظاهر، بل من المصدر الذي يُفترض أن يكون موضع الأمان الأول. ذلك النوع من الأذى لا يُقاس بحدّته، بل بمكانه؛ إذ يطال المعنى قبل السلوك، ويصيب الثقة قبل الشعور.
وحين يكون الأذى صادرًا عن «الأم»، لا يعود مجرّد تصرّفٍ مؤلم، بل يتحوّل إلى خللٍ في البنية العاطفية نفسها. فالأم في الوجدان الإنساني ليست شخصًا فحسب، بل رمزًا للحماية، وتجسيدًا للقبول غير المشروط، وصورةً أولى للأمان.
فإذا تصدّع هذا الرمز، لم تكن النتيجة خيبةً عاطفية عابرة، بل ارتباكًا داخليًا عميقًا، صامتًا، يرافق الابن أو الابنة طويلًا، حتى وإن بدا كلّ شيء في الظاهر مستقرًّا.
في كثير من العلاقات بين الأمهات وبناتهن، يظهر نمط مسكوت عنه:
انحيازٌ غير معلن، تفضيلٌ مقنّع، ميزانُ قيمةٍ لا يرى إلا نوعًا واحدًا من التفوق، ويُغفل ما عداه. فتُرفع الشهادة فوق الخُلُق، والمكانة الاجتماعية فوق الوفاء، والإنجاز الظاهر فوق العطاء الصامت.
ومع الوقت، تتحوّل الابنة التي لا تدخل هذا الميزان إلى كائن «مفيد»لا «محبوب»، يُطلب منه الكثير، ولا يُمنح إلا القليل.
الأشدّ إيلامًا أن هذا النمط لا يُدرك دائمًا بوصفه ظلمًا، بل يُغلّف بثقافة البرّ والصبر، فيُطلب من الابنة أن تتحمّل، لا أن تُفهَم؛ وأن تصمت، لا أن تُنصَف.
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي: حين يُطالَب الإنسان بإنكار ألمه كي يُعدّ بارًّا، وبالتكيّف مع الجور كي يُحسب عاقلًا.
كثيرات من النساء يتألمن لا لأن أمهاتهنّ قاسيات بطبيعتهن، بل لأنهنّ يملكن وعيًا مبكرًا بالعدل، فلا يستطعن التكيّف مع الانحياز، ولا قبول الظلم حين يصدر من أقرب الناس إليهن.
فالإنسان الذي يملك حسًّا أخلاقيًا عاليًا، يرى الظلم بوضوح، ولا يستطيع أن يتعايش مع اختلال الميزان، ولا يملك مهارة التبرير التي تخفف عن غيره. ولذلك يكون الألم عنده أنقى… وأقسى.
وحين تتراكم هذه الخبرات، قد يظهر الخوف في صورة كلمات حادّة، لا تعبّر عن قسوة بقدر ما تعبّر عن فزعٍ أخلاقي: فزع من أن يُعاد إنتاج الظلم في صورة أخرى، أو أن يتحوّل الصبر الطويل إلى قسوة غير مقصودة.
وهذه اللحظة – وإن بدت خطرة في لفظها – هي في حقيقتها لحظة وعي، لا لحظة سقوط.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله في مثل هذه العلاقات، هو إنكار الخلل باسم القداسة. فالأمومة منزلة عظيمة، لكنها لا تُعفي من الخطأ، ولا تُعصم من التحيّز، ولا تُغني عن المراجعة.
والبرّ الحقيقي لا يقوم على تزييف الحقيقة، بل على التعامل معها دون أن نُفسد أنفسنا أو نُحطّم الروابط.
العدل – في جوهره – قيمة إلهية مطلقة، لكنه في البشر قدرة نسبية. ومن الخطأ أن نحمّل العلاقات القريبة ما لا تطيق، أو أن ننتظر من نفوس لم تتدرّب على العدل أن تمارسه فجأة في أقرب الناس إليها. الفهم هنا لا يبرّر الخطأ، لكنه يُخفّف وطأة الصراع.
إن ما تحتاجه كثير من الأمهات والبنات اليوم، ليس مزيدًا من النصائح الجاهزة، بل شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها، وحدودًا هادئة تحفظ الكرامة، ومسافة إنسانية تمنع الجرح من أن يتحوّل إلى سُمٍّ متوارث. فالقسوة لا تُشفى بقسوة مضادّة، والعدل لا يُنقَذ بالإنكار.
في النهاية، لا يُقاس نجاح العلاقة بغياب الألم، بل بقدرتنا على ألا نجعله قاعدة، ولا ميراثًا، ولا ذريعة لنفي الرحمة من قلوبنا. فأن نرى الخلل… فضيلة، وأن نرفضه… حق، وأن نحمي أنفسنا دون أن نفقد إنسانيتنا… هو التحدّي الأكبر في كل علاقةٍ قريبة.
كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي



