مقالات

سيرة العقيد ركن متقاعد:خالد بن يحيى سليمان الداثري الفيفي

إعداد الشيخ :عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابو جمال

سيرة العقيد ركن متقاعد:خالد بن يحيى سليمان الداثري الفيفي

الحياة العسكرية حياة التزام، وثبات ونظام صارم، توثر بشكل واضح على شخصية صاحبها، وتطبعها بطابعها القوي، ويتأثر منها في مسلكه وتعامله، وكل جوانب حياته، وتؤثر في جميع من حوله، وبالذات افراد اسرته، ومن يعيشون في كنفه وتحت رعايته، والده عاش هذه الحياة العسكرية، منذ أن وعى على الدنيا، فهو من اوائل ابناء فيفاء الذين التحقوا بالسلك العسكري، وتنقل فيها منذ بداية شبابه إلى تقاعده، وتدرج في مجالاتها لسنوات طويلة، ولم يعمل في أي مجال آخر غيرها، فتطبع بطبيعتها الصارمة، وتأثر بمسلكها القوي، واصبحت له طبيعة ومسلكا بارزا، ومن ثم غرسها خلقا طبيعيا في ابنائه وفي اسرته، وصارت لهم واقعا حقيقيا، اتسمت به اخلاقهم، وسارت عليه حياتهم، واثر كثيرا في تعاملهم وتفكيرهم، وفي مسار حياتهم، ومن اول المتأثرين به كان ابنه الاكبر (خالد)، الذي تشرب وتخلق بهذه الصفات النبيلة، وحمل الراية فيها من بعد أبيه، واتخذ منها مسارا خاصا به سار عليه، حيث دخلها على اصولها المعتبرة، وبداياتها الحقيقية القوية، بدأ طالبا في كلية الملك عبد العزيز الحربية، مصنع الرجال ومعقل الاسود، وتشرب العسكرية من خلال منابعها الصافية، التي صقلت شخصيته بأساليبها الصحيحة القوية، ثم مارسها واقعا بعد تخرجه من الكلية، متنقلا في مجالاتها الرحبة، وعمل في اكثر من موقع، وقام بأكثر من مهمة، وترقى في درجاتها ومسؤولياتها، بل كان من حسن حظه أنه عايش العسكرية واقعا ملموسا من بداياته الأولى، من خلال مشاركته الفعلية محاربا في ارض المعركة، حيث شارك في حرب عاصفة الصحراء لتحرير دولة الكويت، بعد تعيينه مباشرة في اول عام له في العسكرية، ثم فيما بعد صقلها بالممارسة الفعلية، وبالتدريبات والدورات والبرامج التطويرية،

فكان النجاح حليفة في كل ما أوكل إليه من مهام، ولذا نجده نموذجا حيا للجندية الحقة، وصورة مثالية للعسكرية الصادقة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة وهذه الصفة، حيث تخلق بأخلاقها، واتصف بصفاتها، وسار على نهجها الواضح، فهو صورة حقيقية للجندي المسلم، وما يتصف به من الإيمان والقوة، والإقدام والحزم والشجاعة، وحسن التعامل والصبر والمهارة، والثبات وصدق الكلمة، مثال صادق للمواطن القوي، المحب لدينه ووطنه وولاة امره، وفقه الله وبارك فيه، وزاده من فضله، ورفع من قدره، واعلى من شأنه، وكثر فينا من امثاله.

انه العقيد ركن متقاعد

خالد بن يحيى سليمان قاسم الداثري الفيفي حفظه الله ووفقه.

والده الشيخ يحيى بن سليمان قاسم، من آل حسن قاسم الداثري، المعروفين بأهل المثابة، فآل حسن قاسم من آل الداثر، هما قسمان مترابطان، القسم الأول يسكنون في قمة جبل فيفاء حول العبسية، والقسم الأخر يسكنون في غربي الجبل الاعلى، الذي يعرف باسمهم (غربي آل حسن قاسم)، واصبحت شيخة القبيلة في القسم الأول في أهل المثابة، من منتصف القرن الهجري الماضي، حيث تشيخ الشيخ مبره بن قاسم رحمه الله، مع بداية العهد السعودي الزاهر، ولما توفي خلفه اخوه سليمان بن قاسم رحمه الله، ثم تلاه ابن عمه يحيى بن اسعد قاسم حفظه الله، ثم تنازل منها رغبة عنها، والحت القبيلة بعده على ابن عمه، الشيخ يحيى بن سليمان في أن يكون هو الشيخ، وقبلها مرغما نزولا عند رغبتهم، واستمر على ذلك لفترة، ثم تنازل عنها لعدم استقراره في فيفاء، وتنقلت في بعض ابنا عمومتهم، ثم تولاه اخوه الشيخ قاسم بن سليمان حفظه الله، إلى أن تنازل عنها لنفس السبب، في عدم اقامته الثابتة في فيفاء، وسلمها للشيخ الحالي يزيد بن هادي حفظه الله.

  كان رحمه الله من مواليد عام 1360هـ، حيث تربى في كنف والده شيخ القبيلة، وما إن بلغ سن الشباب حتى غادر فيفاء، ليطلب العمل المناسب لتطلعاته وآماله، والتحق مباشرة بالسلك العسكري في القوات البرية، وتنقل فيما بعد إلى أن عمل في القوات الجوية، واستمر فيها لفترة طويلة، حيث عمل في القاعدة الجوية بالمنطقة الشرقية، وتدرج في رتبها ومهامها إلى أن بلغ سن التقاعد، واستقر بعد ذلك في مدينة الطائف، ومنها انتقل ليستقر في مدينة جدة، التي عاش فيها إلى أن وافاه الأجل رحمه الله وغفر له.

    تطبع بالحياة العسكرية القوية، مع اخلاقه الموروثة الأصيلة، وما تربى عليه في كنف والديه، فعرف بالحلم والقوة والحزم، واتصف بالقوة والحكمة وبعد النظر، كان قوي على الحق، صريح صادق لا يتلون، طبيعة اصيلة واخلاق ثابتة، عاش عليها وربى عليها ابنائه، وحرص على أن  يكونوا على درجة عالية من العلم وحسن الخلق، فحثهم على الدراسة وطلب العلم، والترقي في مستوياته ومراتبه، واخرج للمجتمع نماذج رائعة، بين ايدينا واحد منهم نعتز به، ونرفع به رؤوسنا تيها وفخرا، رحم الله أباً احسن الزرع والتربية، وبذر الخير والصلاح، وبارك في ذرية صالحة نافعة مصلحة.

واما امه فهي الفاضلة ليلى بنت أحمد سالم آل عياس المثيبي حفظها الله، والدها الشيخ المشهور بالكرم والجود والاحسان، احمد بن سالم، من آل المعشي وراعي بيت القرية رحمه الله وغفر له، تربت في هذا البيت وتخلقت بأخلاق البذل والعطاء والاحسان، وتميزت بانها ربة بيت فاضلة، وام مربية حازمة، زرعت في ابنائها الخير والصلاح والاخلاق الفاضلة، حفظها الله وقواها واقر عينيها بأبنائها واحفادها.

ولد لهذين الفاضلين في فيفاء، وكان بكرهما في حوالي عام 1388هـ، وما اسرع ما انتقلت الاسرة بعد ولادته إلى حيث يعمل والده في المنطقة الشرقية، ولذلك لم يدرك من طفولته المبكرة شيئاً، إلا وهو مستقرا بين والديه في مدينة الثقبة، وكانت حينها حياة هانئة سعيدة وبسيطة، فالحياة في تلك الايام مع بداية التسعينات الهجرية من القرن الماضي، سهلة وبسيطة وفي بداياتها المحدودة، وأغلب بيوت الناس حينها بيوت شعبية، أو ما يعرف (بالصنادق)، استقر فيها معظم العسكر القادمين من انحاء المملكة، وعمّروا لهم بيوتا بإمكانياتهم المحدودة في اطراف مدينة الثقبة، وكان غالبها من الخشب والصفيح، الذي يجمعونه من بقايا مواد البناء المرمية قرب القاعدة الجوية، أثناء قيام مشروع تشييد المساكن والمقرات الجديدة داخل القاعدة، فيما عرف بمشروع(صقر السلام)، المشروع الضخم الذي أحدث نقلة كبيرة في حياة منسوبي القوات الجوية، ولذلك كان الناس يتسابقون إلى جمع ما يلقى من مواد المباني القديمة، من الخشب والصفيح، ويتعاونون فيما بينهم على البناء منها بيوتا مؤقتة لهم، فكانت هي معظم البيوت في تلك الفترة في مدينة الثقبة، وكانت بالنسبة لمعظم الناس نقلة كبيرة رغم بساطتها، ومدينة الثقبة حينها مدينة صغيرة ناشئة، لا يوجد بها إلا شارع واحد أو اثنين معبدة، وبقية شوارعها المحدودة ترابية، ووسائل النقل من السيارات محدودة، بل غالب وسائل النقل ما كان يعرف في المنطقة الشرقية بالقاري، وهي عربة بدائية صغيرة تجرها الحمير، ينقل عليها الناس بضائعهم الثقيلة من الاسواق، ومع ذلك كانت قليلة ونادرة، فكان الأطفال يسعدون بركوبها مع بضائع اهلهم، وما زال يذكر أنه ركبها لمرات معدودة، حيث كانت من اجمل الذكريات واعذبها، وبقي عبق هذه الحياة وجمالها يسعده كل ما تذكره.

   كان والده من اوائل من ابتنى له بيتا من هذه الصنادق كمعظم الناس ممن حوله، وكان عمله حينها عسكريا في الشرطة الجوية (البوليس)، وسلم له من عمله دبابا (موتر سيكل) لمتطلبات العمل، وكان بذلك هو الوحيد في الحي الذي يملك مثل هذه الوسيلة، وكان يلفت النظر إذا ما اقبل إلى الحي بصوت الدباب الضخم المميز، حتى اقترن صوت الدباب بمعرفة قدومه، فيقول الناس هذا دباب الفيفي، وكان يلبس الزي الخاص بالقوات الجوية، ويلبس على رأسه قبعة بشكل القارب أو السفينة، المعروفة (بالأوفرسيس) باللون الأزرق الجميل، وكان رحمه الله حينها في عز شبابه، يملك بنية جسمانية طويلة وصحية، وله هيبته ومكانته وحضوره الدائم، فعاش خالد طفولته المبكرة في هذا الجو المفعم بالسعادة والألفة، داخل هذا المجتمع السعيد.

تعليمه :

عندما بلغ السن المناسبة للدراسة، الحقه والده في مدرسة جابر بن حيان الابتدائية بالثقبة، وكانت مدرسة حكومية، مبنية على طراز جميل، ومازالت هذه المدرسة إلى اليوم على حالها الذي يذكره، وكانت هذه المدرسة في تلك الايام كغيرها غاية كل المتطلعين للتعلم، ولهذا جمعت بين طلابها كثير من كبار السن، ممن فاتهم فرص التعليم في صغرهم، لكون اكثر الناس من ابناء البادية، الذين استقروا حديثا في الحواضر، فلم يكن يخلو هذا الخليط من التعارض والمعارك والمضاربات، ولأجل ذلك كان مدير المدرسة ووكيله يضطران إلى استخدام العنف في تأديبهم، مما يصل احيانا إلى درجة من الافراط في استخدامه، وقد كان هذا هو الاسلوب العام المتوارث حينها، في مجالات الحياة العامة، وفي التربية خاصة في معظم المجتمعات، حتى يذكر أن من يتأخر عن الحضور في موعده المحدد، يلقى عقابه المباشر عند باب المدرسة، وبالذات كبار السن من الطلاب.

  لقد بدائنا في ذكر الجانب السلبي عن المدرسة، وبالطبع ليست كل جوانبها على هذا المنوال، فالغالب هو الاهتمام والتقويم والتربية، حيث انتظم في هذه المدرسة من أول يوم طالبا جادا، وما اسرع ما تأقلم معها، وجد واجتهد ونجح وتفوق، وتنقل بين صفوفها عاما بعد عام، إلى أن تخرج من الصف السادس الابتدائي، وكانت حينها قد بدأت في المنطقة وسائر المناطق، نقله كبيرة في حياة الناس الاجتماعية، وتوالت الطفرات التطويرية المتلاحقة، فقد اكتمل في تلك الفترة تنفيذ (مشروع السلام)، المقام في القاعدة الجوية في المنطقة، حيث اكتملت فيه بناء الوحدات السكنية، وكان لأسرتهم النصيب في واحدة منها، بحكم ان والده احد منسوبي هذه القاعدة، فانتقلوا للسكن في احدى الفلل الحديثة، المبنية والمجهزة على احدث طراز، فيها التكييف المركزي الممتع، وبالذات في منطقة معروفة بارتفاع درجات الحرارة فيها، ويسودها الرطوبة العالية، وهنا في هذا المقر الجديد أكمل دراسة المرحلة المتوسطة، في واحدة من المدارس النموذجية القوية داخلها، وكانت متميزة في نظامها وادارتها ومعلميها، وفي تجهيزاتها المتكاملة الحديثة، وكان طلابها  في هذه المرحلة خليط من الجنسيات العربية، الذين كان يعمل آباءهم في قطاعات مختلفة داخل القاعدة الجوية، وبعض الطلاب ممن التحقوا بها من خارج القاعدة، وغالبهم من أبناء موظفي أرامكو وغيرهم، فقد كانت سمعة المدرسة ممتازة، والقاعدة حينها متكاملة من كل نواحي الحياة المعيشية والاجتماعية والصحية، فيها سكن حديث راق، وأسواق مركزية، ومدارس حديثة مجهزة بأحدث التجهيزات، ومجموعة من المستوصفات ومستشفى كبير، وصالة رياضية ضخمة، على أحدث المستويات العالمية، تشتمل على معظم الألعاب الرياضية، وتحتوي على صالات رياضية مجهزة ومعدة بكل ما تحتاج إليه، ومهيأة بملاعب خاصة بكل لعبة على أرقى مستوى، ومتعاقدة مع شركة رياضية للتدريب، وفرت نخبة من المدربين في كافة الألعاب، ويوجد بها فريق طبي للإصابات الرياضية، مع قسم علاج حديث، مجهز بالأجهزة والمعدات الحديثة للإصابات الرياضية، فكانت هذه الصالة بما تحتويه من أفضل ما يقدم للشباب في تلك الفترة، تهتم ببناء اجسامهم على أفضل الاساليب واكملها، وتمتص كل ما لديهم من طاقات مهدرة، وتملئ وقت فراغهم الكبير بكل نافع ومفيد، وتطور مهاراتهم وقدراتهم، وتحقق لهم كل ميولاتهم ورغباتهم، من خلال هذه الأنشطة الرياضية المختلفة، فكانت بالنسبة له تلك الفترة من امتع وافضل الفترات في حياته، بل كانت تلك الشركات المتعاقدة مع القاعدة، وبالأخص الشركات الامريكية، من مثل (لوكهيد مارتن، وماكدونل دوجلاس) لتطوير سلاح الجو الملكي السعودي بطائرات f5و f15، تخصص لمن يرغب من الطلاب وظائف خلال الاجازة الصيفية، وتصرف لهم رواتب مجزيه مقابل العمل لديها، فكان يستفيد من هذه الفرص في كل عام.

  ما اسرع ما تصرمت تلك السنين الجميلة، يتنقل خلالها من نجاح إلى نجاح، إلى ان تخرج من الصف الثالث المتوسط، وهو يحمل شهادة الكفاءة المتوسطة، حيث انتقل بعدها مباشرة لإكمال دراسته الثانوية، والتحق في هذه المرحلة في مدرسة حديثة خارج القاعدة، كانت قد بنتها (أرامكو) في حي الدوحة، وكانت مدرسة مهيأة بفصول دراسية فخمة، ومكيفة تكييفا مركزيا كاملا، وتحتوي على صالات للألعاب الرياضية، وفيها عدد كبير من المعامل المجهزة، والمبنى متكامل كمبنى دراسي نموذجي، هي حلم كل طالب في أن يلتحق بها، وكانت الدراسة فيها على نظام الثانويات المطورة، حيث تقسم الطلاب إلى شعب وتخصصات، وتحوي على نخبة من المدرسين الأكفاء والمتميزين، اقبل على دراسته كعادته بكل جد واجتهاد ورغبة واقبال، يترقى بين اقسامها، وما اسرع ما انقضت سنواتها الدراسية، لينجح في نهايتها متفوقا، يحمل شهادة الثانوية العامة.

الدراسة في الجامعة:

  عند ما اكمال دراسة المرحلة الثانوية، بدأت هنا معه المرحلة الأصعب في حياته، واهم صعوباتها هي مفارقة والديه واسرته واغترابه عنهم لأول مرة، ثم يتلوها اختياره لمجال دراسته وتحديد مستقبله، ووقع اختياره الأول على جامعة الملك سعود بالرياض، وكان سبب اختياره لها عندما وجد مجموعة من معارفه واقربائه طلابا فيها، ولذلك تم قبوله في كلية العلوم، مع انها لم تكن متوافقة مع ميوله الشخصي، وبعد أن اكمل دراسة الترم التأسيسي في اللغة الانجليزية، واجتاز الاختبار فيه بنجاح، وابتدأ التسجيل في بعض مواد التخصص، ولم تكن حينها لديه الخلفية التامة عن نظام الكلية، وكيفية التسجيل في المواد، لذا دون معرفة منه سجل في مواد صعبة، وفي مستويات متقدمة على المبتدئين امثاله، ولهذا السبب لم يحرز في نهاية الفصل النتائج المرضية، واستمر معه ذلك الوضع في الفصل الثاني، واحس بانها ستوثر في انخفاض معدله التراكمي، ولذا بادر إلى حذف هذا الترم بكامله، مما اشعره بخيبة الامل بسبب هذا التعثر، فقد مضى هذا العام الجامعي الاول دون ما كان يتمناه، رغم ما كان يعيشه من جو جميل في المحيط من حوله، ضمن رفقة جميلة من الزملاء في الجامعة، وداخل السكن الجامعي، ولكن هذه البدايات المتعثرة ارقته رغم ثقته بقدراته على تلافي كل ذلك مستقبلا، ولكن طرت له فكرة تغيير مساره بالكامل، حيث قرر أن يلتحق بإحدى الكليات العسكرية، رغم أنه لم يكن يرغب في هذا المسلك العسكري من قبل، ولكن المؤمن يثق بالله وأنه مسير في اموره الحياتية، وله رزق وقدر مكتوب له لابد أن يتبعه، فأنساق خلف هذا القرار المصيري، وشجعه على السير فيه وجود عمه الشيخ قاسم (حفظه الله)، شقيق والده في الكلية الحربية، الذي كان يعمل فيها حينذاك معلما في قسم الاشارة، فلما فاتحه برغبته في الالتحاق بهذه الكلية، رحب به كثيرا وشجعه عليها، وكان له الدور الكبير في قبوله في الكلية، بصفته ضمن لجنة القبول، وسارت معه الأمور كما ينبغي وعلى ما يرغب، حيث اجتاز جميع الاختبارات والفحوصات والمقابلات الشخصية، واتم كل متطلبات القبول المطلوبة، مع أنها كانت قد فاتته احد الاختبارات التحريرية، بسبب التباس التاريخ والموعد المحدد، ولما اخبر عمه بذلك غضب منه في البداية، ثم وعده أنه سيتدبر الأمر بما يستطيع بمشيئة الله، وبالفعل فقد تم الحاقه بالاختبار في موعد آخر، وتم قبوله بحمد الله وتوفيقه في كلية الملك عبد العزيز الحربية.

  وهنا تغيرت الامور بشكل جذري، فقد حان موعد الدخول والتحضير في الكلية، والكلية عالم آخر غير ما تعود (كما يقول)، فهي عالم مختلف تمام الاختلاف، بحيث لا يمكن أن يصفه إلا من جربه، فالحياة العسكرية تختلف بالكلية عن الحياة المدنية، وأصعب ما يكون فيها ما يعرف بفترة المستجد، التي مدتها خمسة واربعين يوما، يقضيها الطالب المستجد في تدريب مكثف، على الحركات العسكرية الاساسية، وما يتبعها من الحزم والانضباط، وتلقي المعلومات واستيعابها، وإجادة المشية العسكرية، وتنفيذ الأوامر العسكرية دون تردد، وغيرها من الضروريات التي في مضمونها تغيير برمجة الطالب بالكامل، ليتحول إلى العسكرية الصرفة بكل متطلباتها، مع ما يرافق ذلك من الضغط البدني الرهيب، والضغط النفسي الاشد، وبالذات بما يواجهه الطالب من قبل الطلاب القدماء في الكلية، فالطلبة في الكلية على ثلاثة أقسام، القسم الاعدادي، والقسم المتوسط، والقسم النهائي، فيوكل جزء من التدريب للقسم الاعدادي، إلى طلبة القسم النهائي، وفي هذا التدريب يتعرضون إلى أنواع عدة من الضغوطات البدنية والنفسية، حيث يعتبر طلاب القسم النهائي الطلبة المستجدين مادة للتسلية والتندر، بسبب جهل هذا الطالب المستجد لكثير من الأمور، مما يصل أحياناً إلى حد الاستفزاز، واختبار النفسيات كما يقال، وفي المثل ( لا تشقى عند من قد شقي، يلقيك ما قد لقي)، ويكون هذا سبب لانسحاب كثير من الطلاب في هذه الفترة (المستجد)؛ لأنه لا يتحمل كل هذه المصاعب.

    ومما يذكره شخصيا عن هذه الفترة، أنه عان كثيرا كمعظم زملائه من الآلام الفظيعة في الظهر وفي الساقين، بسبب طول الوقوف، حيث يقضي الطالب معظم النهار في وقوف وتدريب في الميدان، تحت لهيب الشمس الحارقة، اضافة إلى ما يحدثه لبس (البصطار) من تسلخات وجروح في الأقدام، وهو امر اعتيادي يدل على شدة التدريبات، التي لم يتعود عليها هذا الطالب المستجد، وقد اخبرهم أحد الضباط كان برتبة نقيب حينها، اسمه (كما يذكر) عبد الله المازني، إن آلام الظهر والعضلات مؤقتة، وستزول مع مرور الأيام، وكم كان لكلماته من أثر جميل في تهدئة النفوس الخائفة من فظاعة هذه الآلام الرهيبة، وهذا كان حاله مع أنه كان يمارس من قبل الرياضة بشكل منتظم، وهو في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وفي السنة الاولى من الجامعة، ولكن ذلك لم يفده بشيء لقوة التدريبات هنا، ولكنه كان افضل بدرجات ممن لم يمارس الرياضة نهائياً.

كان معه من ابناء فيفاء مجموعة من الزملاء في هذه الدفعة(48)، وهم كما يذكر عبد الله بن حسين المشنوي، واحمد بن عبد الله سلمان الحكمي، وقد سارت به الامور من حسن إلى احسن، وبالذات بعد نهاية فترة المستجد العصيبة، حيث يتلوها مزج بين الدراسة النظرية والمواد العلمية، والتدريبات العسكرية اللازمة، وفي نهاية السنة الثانية التي تسمى المتوسطة، يؤخذ في العادة منسوبو هذه الدفعة إلى دورة للمظلات، تنفذ في مدرسة المظلات في منطقة تبوك، وفي ذلك العام اختصر العدد منهم إلى قرابة (60) طالبا فقط، وكان من ضمن هولاء الطلاب، ورغم اللياقة العالية التي كانوا يتمتعون بها حينها، إلا أنها لم تعفيهم من التدريبات الشاقة، وفي العمل على رفع الياقة في هذه المدرسة القوية، فقد كانت بالنسبة لهم أمر آخر صعب ومجهد، وبالذات مع تزامن هذه الدورة حينها مع طول النهار في تبوك صيفا، وكان التدريب يستمر طيلة النهار إلى غروب الشمس، ولا يستقطع منه إلا وقت الغداء والاستراحة، وكان البرنامج مضغوطا بشدة، اذ يلزمهم انهاء الدورة في مدة شهر واحد فقط، وسارت بهم الأمور على ما يرام، وحان وقت القفز من الطائرة لأول مرة، وكان شعور مخيفا (كما يذكر)، واعترتهم حالة من التوتر ولاسيما عندما يفتح باب الطائرة استعداداً للقفز، فتسمع صوت الهواء القوي المندفع إلى داخل الطائرة، وكان يلزم كل طالب في هذه الدورة اتمام ست قفزات، وأحدة منها يكون بالسلاح وكيس الأغراض، وهي أصعب القفزات لأنه يلزمه الحذر والانتباه من السقوط على السلاح، الذي قد يؤدي إلى ضرر كبير للقافز، واما السقوط على الأرض فيعادل ما يوازي القفز من ارتفاع ثلاثة إلى أربعة امتار، ولقد رجعوا من هذه الدورة بخبرات جديدة، وثقة كبيرة في النفس، ليستأنفوا اكمال السنة الثالثة والنهائية من الكلية، ومضت بحمد الله بكل نجاح وسلام، وتخرج بتفوق كبير، حيث كان من ضمن العشرة الاوائل في هذه الدفعة، وتم تعيينه في سلاح المدفعية.

  وامر طبيعي أن الحياة العسكرية يكثر فيها التنقل من منطقة إلى اخرى، ومن مدينة إلى مدينة، والتنقل بين الوحدات والألوية، فهي حياة غير مستقرة، ويجب فيه الانقياد والسمع والطاعة المطلقة، ولا يستطيع العسكري التفرغ لنفسه، أو الالتحاق بالدورات والدراسات الا بالتنسيق والموافقة التامة من مرجعه، وقد تنقل هو في بداية حياته العسكرية في اكثر من مدينة، حسب متطلبات العمل، وكلف خلالها بأكثر من مهمة، وفي حوالي عام 1423هـ تم نقله إلى معهد سلاح المدفعية في خميس مشيط، ليعمل فيه ضابط معلم في جناح التكتيك، وفي أقل من سنة تم ترشيحه في دورة لغة وأركان صغرى، في جمهورية باكستان، لكن قائد المعهد حينها رفض ترشيحه، بحجة كونه منقولا إلى المعهد حديثا، والمعهد لم يستفد منه، لذلك سعى إلى الاستعانة بركن التعليم حينها (العقيد معلوي الشهراني)، وكان قائده السابق في كتيبة الراجمات، وهو الذي رشحه وطلبه في الاصل للنقل إلى هذا المعهد، وبالفعل عمل على إقناع قائد المعهد على الموافقة على الترشيح، وبدأ ترتيباته لهذه الدورة، وعقد للمرشحين حينها دورة قبلها لمدة اسبوعين، ليتم التعارف بينهم وتهيئتهم للسفر، وكانوا مجموعة من أسلحة مختلفة من القوات البرية، وقد قرر بعضهم اصطحاب عوائلهم معهم من البداية، وبالذات حينما عرفوا أن لهم زملاء قد سبقوهم إلى هناك، وهم على وشك العودة بعد أن أنهوا دورتهم، فتم التنسيق معهم على ان يستقبلوهم في مطار اسلام أباد، وليتعاونوا مع المتأهلين منهم في تهيئة السكن والسيارات، وذلك بحكم تجاربهم خلال المدة التي قضوها هناك، وكان هو من اكثرهم حظا، لوجود زميله العميد يزيد بن فرحان الخسافي الفيفي هناك، وقد كانت بينهما زمالة ومعرفة تامة سابقة، فقد تزاملا من قبل في كتيبة الراجمات بحفر الباطن، وقد استقبلهم زملائهم في مطار اسلام أباد، وهيئوا لهم باصات توصلهم إلى مقرات سكنهم، وبالنسبة له فقد ذهب مع رفيقه يزيد في سيارته الخاصة، الذي استضافه في منزله بإسلام أباد، ومكث لديه بضعة ايام حتى تدبر اموره، وكان هو على وشك العودة إلى السعودية، فساعده على استئجار منزل له في نفس المدينة (اسلام اباد)، وهي مدينة رائعة ومنظمة، عبارة عن غابة من الاشجار، خططها الانجليز على طراز حديث ومنظم، وقسمت إلى أحياء وشوارع مرقمة، يسهل الوصول لكل مكان فيها برقم الحي والشارع.

  واصبح حينها جاهز للبدأ في الدورة، التي حضر من اجلها، وكانت مقسمة على فترتين، الفترة الأولى مدتها ستة أشهر، مخصصة لدراسة اللغة الانجليزية، اقيمت لهم في جامعة اللغات العالمية بإسلام أباد، حيث خصص لهم فيها صف خاص بهم، وقدمت لهم فيها كل التسهيلات اللازمة، فكانوا يحضرون إليها باللباس المدني، ثم تلتها الفترة الثانية، وهي دورة التخصص العسكرية، اقيمت في مدرسة المدفعية بمدينة (نوشيرا)، التي تقع في منطقة (بشاور) شمال باكستان، والمسافة اليها من مدينة اسلام أباد حوالي (120كم) تقريباً، وقد طلب منهم البقاء في داخل المدرسة العسكرية، وخصص لهم فيها سكن للعزاب، وهنا اصابته حيرة هو واحد زملائه؛ لأنهم اصطحبوا معهم عوائلهم، وبعدما شرحوا وضعهم تعهدوا لهم بتامين سكن عائلي خاص، ولكن المشكلة كانت في دراسة اولادهم، فقد الحقوهم بالمدرسة السعودية في إسلام أباد، وبعد شد وجذب وتدخل من الملحق العسكري، تم السماح لهم بالذهاب والمجيء من إسلام أباد، وكان استغرابهم في قدرتهم على تحمل المجيء والعودة يومياً من تلك المسافة، فكانوا يرونها مسافة بعيدة، ولكنه (كما يقول) يراها مسافة معقولة، مقابل بقائه في إسلام أباد، فقد كانت مدينة نوشيرا مدينة صغيرة أشبه بالقرية، تفتقر للأسواق والخدمات اضافة إلى دراسة الاولاد، وانتهت هذه الدورة على خير ما يرام، وعادوا بعدها للمملكة، وكانت ذكريات جميلة وخبرات نافعة.

 وفي عام 1427هـ ثم ترشيحه لدورة الأركان، في كلية الاركان بالرياض، واتم هذه الدورة على افضل ما يمكن، حيث يحصل الضابط في نهايتها على شهادة الماجستير في العلوم العسكرية.

وكذلك التحق بكلية الشريعة بالرياض، في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية منتسبا، وحصل على درجة البكالوريوس في الشريعة، بتقدير عام جيد جدا، مع مرتبة الشرف الثانية، في نهاية العام الجامعي 1433/1434هـ.

ومجمل ما التحق به من دورات خلال مسيرته العسكرية الحافلة، تتلخص في التالي:

٠١دورة قفز مظلي (أثناء الدراسة بالكلية).

٠٢دورة قتال في المناطق المبنية (أثناء الدراسة الكلية).

٠٣تأسيسية ضباط مدفعية.

٠٤ملاحظة ورصد ضباط.

٠٥راجمات صواريخ ارض أرض ضباط .

٠٦مساحة وتحديد أهداف ضباط.

٠٧متقدمة ضباط .

٠٨ معلمي مدفع 155 صيني.

٠٩لغة انجليزية (جامعة اللغات بباكستان).

٠١٠اركان صغرى (باكستان).

٠١١دورة القيادة والاركان.

وهناك دورات أخرى قصيرة ومنها:

٠١دورة القائد والاركان للعمليات قليلة الكثافة.

٠٢دورة تمهيدي للقيادة والاركان بمعهد المدرعات بتبوك.

٠٣دورة توجيه المبتعثين في الوزارة بالرياض.

 وعلى العموم فالعمل العسكري في مجمله تعلم مستمر، وخبرات متواصلة لا تنتهي، فالضابط على مدى عمله يتلقى كثيرا من العلوم والخبرات الجديدة، ومن خلال ممارسته للعمل وتنقلاته بين فروعه، وتطبيقاته المستمرة في الميدان، أو من خلال تعامله مع الأوامر والمهمات، واطلاعه على الاسلحة والمعدات المستحدثة، لا شك يكسبه في كل يوم دروس جديدة، وعلوم عسكرية متنوعة.

العمل الوظيفي:

  بعد تخرجه من الكلية تم توجيهه للعمل في سلاح المدفعية، واختار أن يعمل في مدينة حفر الباطن، لكونها اقرب للمنطقة الشرقية، حيث تقيم اسرته ووالديه حينها، وعين في كتيبة راجمات الصواريخ، التي تعتبر في ذلك الوقت من أحدث وافضل الاسلحة في القوات البرية، ولم يمضي على مباشرته فيها شهرا، إلا وحصلت أزمة احتلال الكويت، وكان قد هيء نفسه في هذه الفترة واحضر زوجته إلى الحفر، بعدما استعار احد بيوت زملائه في داخل مدينة الملك خالد العسكرية، فاضطرب عليه الامر بشكل لم يكن في الحسبان، عندما ابلغوا في اليوم التالي من احتلال الكويت، بوجوب رفع حالة التأهب إلى رقم واحد، وأن عليهم لزوم الوحدات وعدم المغادرة، ومما زاد الامر تعقيدا انهم في الإجازة الصيفية للمدارس، وغالبا عوائل العسكريين تسافر فيها لقضاء الاجازات مع أهاليهم في المناطق الأخرى، فتكون المدينة العسكرية خلالها قليلة السكان، ثم مع طول المرابطة سافر غالب أهالي بلدة الحفر، بعدما راجت الاشاعات باحتمال تقدم الجيش العراقي لاحتلال المدينة، وتلى ذلك التوجيهات بإطفاء أنوار الشوارع في المدينة العسكرية كنوع من الاحتياط،  فأصبحت المدينة العسكرية مدينة أشباح، لأن الوحدات العسكرية انتشرت خارج نطاق السكن، والعسكريون مرابطون في وحداتهم، وهو في قلق تجاه اهله ولا في اليد حيلة، فلا يستطيع القيام بشيء تجاههم، ولكن كان من حسن حظه أن عمه عيسى سليمان يعمل في المستشفى العسكري في المدينة، وكان لهم سكن مستقل بمنسوبي المستشفى، ولهذا بادر إلى اخذ زوجته معه في بيته فهو عم لهما، وعندها اطمأنت نفسه وارتاحت وزال قلقها.

   سارت الأمور على نحو متسارع، وازدادت توترات الأزمة، وبدأ توافد القوات العسكرية من كافة دول العالم، وتم تحريك وحدتهم وأغلب الوحدات، لغرض التوجه إلى الحدود بين السعودية والكويت، ثم بعد فترة دخلت القوات إلى الكويت، تزامنا مع بداية القصف الجوي ضد القوات العراقية، وكان القصف عنيفا جداً، يستمر طوال الليل وتهتز من وقعه الأرض، وكانت كلها فترات ترقب عصيبة صعبة، لا يدرون كيف ستكون المعارك البرية، وكانت حينها سمعة الجيش العراقي مخيفة، واستمر القصف لعدة أشهر، والقوات تنتظر الأوامر للتقدم، والقيادات تنتظر اعتدال الأجواء، فالطقس حار جداً في مناطق الدبدبة، وهي الصحراء بين السعودية والكويت والعراق، حيث كانت صحاري قاحلة جداً، ولا يوجد فيها أي معالم بارزة، مما يتسبب بسرعة التوهان الشديد فيها، خاصة أثناء التحرك الليلي، فالإنسان يفقد اتجاهه بسرعة فيها، ومع عدم توفر ما يكفي من أجهزة الملاحة (Gps)، ولذا كانوا كثيرا ما يستعينون ببعض الخريتين من أهل المنطقة، لأنهم لا يتيهون في تلك الصحراء، ويستطيعون التحرك دون أن يفقدوا اتجاهاتهم، ومما يزيد الخوف والترقب هو توقعهم أن يقصفهم الجيش العراقي بالكيماوي والغاز، ويزداد الخوف من تهويل قوة وتأثير هذه الغازات، ولذلك كانوا يحملون معهم دوما كمامات الغاز، بالإضافة إلى لبس البدل المضادة للكيماوي، وهي بدلات لا يكون عليها شعار أي دولة أو قوة، واما لبس الكمامة فهو أمر صعب يكتم الأنفاس، وقد تأتي الأوامر أحياناً بلبسها في أوقات متأخرة من الليل وهم نائمون، فيستيقظون ليلبسونها، وبعضهم قد لا يطيق ذلك، فيقوم بنزعها قائلا الموت مرة واحدة، مع العلم أن القصف بالكيماوي أمر صعب، وغير مجد في المناطق المفتوحة، لكن الدعاية كانت كبيرة جداً، وكما كان حال كثير من سكان المدن البعيدة في أنحاء المملكة، الذين تخيلوا أمور رهيبة من هذا القصف الكيماوي، حتى أن معظمهم قاموا بإغلاق النوافذ والأبواب ووضع اللاصقات عليها، وكانت تحصل مفارقات ومواقف للعسكر بسب لبس البدل الكيماوية، فبسببها لم تعد تميز هوية وجنسية لابسها، أو القوة التي ينتسب إليها، لكونها لا تحمل أي شعار أو علامة مميزة، فكان يتم بالخطأ القبض على بعض الافراد من هنا أو هناك، شكا أنهم من العدو إلى أن يتم التحقق من امرهم.

   استمر مكثهم لأكثر من سنة من بداية الأزمة إلى نهايتها، حتى تم الإعلان التام عن تحرير الكويت، وهزيمة الجيش العراقي، وعاشوا خلالها وعايشوا جميع الأحوال الجوية، والفصول في صحراء الدبدبة القاحلة، ففي فصل الصيف درجات حرارة عالية جداً، وأجواء مليئة بالغبار والأتربة، تكاد تدفن الخيام من شدتها، وتقتلعها من أماكنها، والغبار يدخل إلى داخلها ليكتم الانفاس، ويغطي كل شيء بطبقة ترابية كبيرة، حتى أن الطعام لا يصل إليهم إلا وقد ناله هذا التراب، بالإضافة إلى الذباب المؤذي طوال الوقت، وأما في الشتاء فبرد قارس، ودرجة حرارة تصل إلى التجمد، مما يضطرهم إلى تدفئة المياه المتجمدة في الصباح ليستطيعوا استخدامها، فكانت معاناة شديدة خاصة بالليل، لتجمد كل شيء في تلك الصحراء، واكبر مكافأة عندما يحصل احدهم على رخصة أو أجازه قصيرة للذهاب إلى المدينة العسكرية بالحفر، ليعود إلى النعيم والراحة، فيتمكن من الاغتسال في أماكن مهيأة، وتبديل ملابسه وغسلها، والنوم بشكل هادئ ومريح، فلا يعرف الانسان النعمة والراحة التي يعيشها إلا إذا فارقها.

  وانتهت بحمد الله تلك الأزمة بسلام، وعادت القوات إلى ثكناتها ومواقعها، وعاد مع بقية زملائه إلى حفر الباطن، التي بقي يعمل فيها لما يقارب تسع سنوات، تنقل خلالها في عدة وظائف ومهام، أبرزها قائد السرية الأولى راجمات، وكانت هذه الفترة من امتع فترات العمر، وبالذات في النواحي الاجتماعية، بعدما تضامن مجموعة من ابناء فيفاء بإنشاء مخيم خاص خارج المدينة العسكرية، جعلوه مكانا للتجمع واقامة المناسبات باسرهم وعوائلهم، خاصة في عطل الاسبوع، فكانت تلك المخيمات لهم هي المتنفس شبه الوحيد للأسر، فقامت بدور عظيم في اللقاء، وفي التجمع والتعارف بين أبناء فيفاء في حفر الباطن.

ثم كلفت الكتيبة بكاملها في عام 1419هـ، بمهمة الذهاب إلى شروره، واستقرت كامل الكتيبة في نجران، وكانت عبارة عن ثلاث سرايا، ووقع الاختيار على السرية الأولى للوصول إلى شروره، وكان هو قائد هذه السرية، وكانت فترة صعبة لعدة اسباب، اهمها عدم وجود موقع مخصص للسرية، فكانوا يداومون في مكاتب من الصفيح (صنادق)، ولا يوجد تيار كهربائي عام، وانما لديهم مولدات تابعة  لسرية الصيانة، وهم مشتركون معهم في السكن، وتطفئ هذه المولدات عند الساعة الثامنة صباحاً إلى الظهر، فيعانون كثيرا من الأجواء الحارة والمغبرة، لموقعها في وسط الربع الخالي، ذات الأجواء القاسية كثيرة الغبار، ومما سهل عليه كثيرا حينها وجود عمه العميد هادي بن سليمان (حفظه الله) في سرية الاشارة باللواء الثامن، فاستأنس بوجوده، ولذلك تشجع وأخذ عائلته معه واستقر في شرورة، وكانت شرورة حينها فيها ما يشبه الحفر من وجود مجتمع متظافر من أهالي فيفاء، فكان الوضع الاجتماعي جميل جداً، يتم فيه التلاقي المستمر، وتقام المناسبات والانشطة الاجتماعية, وقد استمر في شرورة قرابة السنتين، كانت لها ذكريات وخبرات جميلة وممتعة.

عادت الكتيبة مرة اخرى إلى حفر الباطن، وبقي في نفس عمله السابق لما يقارب السنة، إلى أن تم طلبه للانتقال إلى معهد سلاح المدفعية في خميس مشيط، وكلف فيها بالعمل ضابط معلم في جناح التكتيك،  واثنائها تم ترشحه إلى دورة لغة وأركان صغرى، في جمهورية باكستان التي اشرنا إليها سابقا، وعاد بعد انتهاء الدورة لعمله في معهد سلاح المدفعية، وكلف حينها بقيادة سرية القادة في المعهد، وبعدها كلف بالعمل مساعد قائد المركز في نفس المعهد، إلى أن رشح في عام 1427هـ في دورة الأركان، وحصل فيها على شهادة الماجستير في العلوم العسكرية، وعاد للعمل مرة اخرى في المعهد، وفي تلك الاثناء شكلت في المعهد كتيبة مدفعية بتسليح صيني، وتم نقله إلى تلك الكتيبة ليعمل فيها ركن التموين، ومساعد القائد بحكم أقدميته، وتم تهيئة هذه الكتيبة الجديدة التي ابتدأت من الصفر، وذلك يتطلب مجهودا مضاعفا وبالذات على ركن التموين، لأن عمل ركن التموين في الكتيبة من أصعب الأمور واعقدها، حيث يلزمه استلام المعدات، والأجهزة والأسلحة، والعهد والمباني وغيرها، ثم توزيعها وتوثيق الاستلام والتسليم، وكذلك الاشراف على أمور الاعاشة وخدمات المطعم، فكان عمله مجهدا وعمل مشترك بين الكتيبة والعمل معلما في المعهد، وكانت فترة مليئة بضغوط العمل، واستمر في هذا العمل الميداني في الكتيبة لمدة سنتين، انتهت كالعادة بتمرين بالذخيرة الحية، وكان يرافقهم طيلة تلك المدة الفريق الصيني المساند.

   سجلوا خلالها بعضا من الملاحظات على هذه المنظومة الصينية، وشكلت فيما بعد لجان لتقييمها، وكلف هو برئاسة تلك اللجنة، ثم رفعت تلك الملاحظات المرصودة، وكلف وفد للسفر إلى الصين، لمناقشة هذه الملاحظات على المنظومة، والسعي إلى تعديلها وتطويرها وتلافي تلك العيوب، وكان على رئاسة ذلك الوفد قائد سلاح المدفعية، حيث بقي الوفد هناك قرابة الاسبوعين، في رحلة مكثفة مرهقة، مليئة بالعمل والسفر والتنقل، نظم لهم فيها برنامج عمل شامل، يشمل زيارة مواقع المصانع، التي كانت موزعة على عدة مدن، وكان برنامج الزيارة مخصص للمجموعة الرئيسية من الوفد، المكونة من قائد السلاح وضابط آخر معه وقائد الكتيبة وهو، وحظوا باهتمام وحفاوة كبيرة، وكانوا يتنقلون في مواكب رسمية، بمساعدة الشرطة هناك، وقابلوا اثنائها مجموعة من المسؤولين الكبار في الحكومة الصينية، وفي الشركة المصنعة لمنظومة المدافع (نورينكو)، التي مقرها شمال الصين، وكان للشركة حضور قوي واهتمام من الحكومة الصينية، فقد كانت شركة عملاقة تصنع أسلحة كثيرة، من ضمنها طائرات الهليكوبتر، وذخائر حربية متنوعة، بالإضافة للمدافع والرشاشات والمدرعات، وعربات النقل، وقد انتهت هذه الزيارة الناجحة على خير ما يرام، وانتهت ايضا الرحلة الميدانية للوحدة، التي استمرت لسنتين من العمل الدؤوب، وختمت بتمرينات الرماية بالذخيرة الحية، التي استمرت لمدة اسبوعين.

وما إن انتهت ايام هذه التمرينات المكثفة، حتى صدرت الأوامر بتحرك كامل هذه الوحدة إلى منطقة جازان، للمشاركة في الحرب ضد الحوثي، حيث بدأوا من حينها في مهمة جديدة وشاقة، وقد بقي في جازان لما يقارب العامين، وفي احدى زيارات قائد السلاح لجازان، طلب منه الموافقة له على النقل إلى وحدة أخرى، حيث تم نقله إلى وظيفة ركن استخبارات، في لواء المدفعية في حفر الباطن، ليعود إلى الحفر مرة أخرى، بعد انقطاعه عنها لمدة سنوات، حيث كانت في هذه المدينة بداية عمله العسكري، وكتب الله له أن تكون فيها نهاية ارتباطه بهذا العمل المشرف، حيث قرر أن تكون هي المحطة الاخيرة لعمله العسكري، بعد أن قضى في هذه الفترة ثلاث سنوات، حيث بدأت بعدها تراوده فكرة التقاعد، ثم عقد العزم النهائي على هذا القرار في عام 1435هـ، وبالفعل صدرت الموافقة على قرار تقاعده في ذلك العام، بعد خدمة استمرت لما يقارب سبع وعشرين سنة، كانت حافلة بالجد والاجتهاد والعمل المشرف، في خدمة الوطن والدفاع عنه بكل فخر واعتزاز.

ونال طوال مسيرته الحافلة بكل المنجزات والنجاحات، العديد من الأوسمة والانواط، ومن ذلك:

  1. نوط المعلم.
  2. نوط الأمن.
  3. نوط الأتقان.
  4. نوط الادارة العسكرية.
  5. نوط المأوية.
  6. نوط الخدمة العسكرية للمرة الثالثة.
  7. نوط المعركة وميدالية تحرير الكويت.
  8. وسام تحرير الكويت من الدرجة الثالثة.

ونال العديد من شهادات التقدير، ومنها:

٠١درجة الشرف الثانية من الكلية الحربية، وكان ترتيبه التاسع في التخرج، بين ما يقارب300 طالب، وكان العشرة الأوائل أو الاثني عشر الأقدم بالكلية، يمنحون رتبة رقيب بين طلبة الكلية، وكان واحد منهم.

٠٢شهادة شكر في أداء الواجبات، كقائد سرية راجمات، أثناء تكليف السرية بالعمل كإسناد لقيادة قوة شرورة، في مهمة لمدة سنتين.

٠٣شكر وتقدير من سعادة قائد لواء حمزة بن عبدالمطلب، أثناء عمله بوظيفة ركن استخبارات اللواء.

٠٤شكر وتقدير من سعادة قائد قوة جازان، أثناء تكليفهم وعملهم بمهمة إسناد قوة جازان.

٠٥شكر وتقدير من سعادة قائد المنطقة الجنوبية، لعمله بلجنة مساعدة أسر الشهداء والمصابين.

٠٦شكر وتقدير من جامعة اللغات بباكستان.

  ونكتفي بذكر ما سبق، وإلا فهو متميز في كل اعماله ومهامه، ولديه الكثير من الانواط والشهادات التي يفخر ويعتز بها، وفقه الله وبارك فيه، وكتب له الاجر والمثوبة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 واما بعد تقاعده فلم يخلد إلى الراحة، حتى أنه سجل في 29/8/1437هـ ، متدربا على قيد المحامين، لتوفر الشروط النظامية عليه فيها، ولكنه لم يكمل مشواره فيها؛ لأنه لم يجد في نفسه الدافعية القوية في هذا المجال، وقد استقر سكنه بعد التقاعد في مدينة ابها، حيث هيء له سكن مناسب فيها، واختارها لكونها تناسبه في بيئتها واجوائها ومجتمعها، وهو انسان متميز في تعامله، انسان اجتماعي متفاعل مع مجتمعه ومحيطه بكل ايجابيه، وفقه الله واسعده وختم لنا وله بالصالحات من الاعمال والاقوال والنيات.

الحياة الاجتماعية:

   زوجته هي ابنة عمه شقيق والده، الفاضلة فاطمة بنت مفرح سليمان الداثري حفظها الله، تزوجها في حوالي عام١٤٠٨هـ، وعاشت معه وشاركته في كل ادوار حياته ومراحلها المختلفة، وعانت كثيرا من تنقلاته واسفاره المتعددة، كما هي العادة في حياة اي ضابط في الجيش، فكانت له نعم العضيد والمعين، وتكفلت بالإشراف التام على تربية ودراسة اولادهما، بارك الله فيها وفي جهودها، ووفقها وكتب لها الاجر والمثوبة، وقد رزقا بسبعة من الولد، ابن وست بنات، على النحو التالي:

  1. مشعل خريج جامعة الملك خالد بابها، من كلية الادارة، ويعمل معلما في ثانوية المملكة بابها، وهو الآن على وشك الحصول على درجة الماجستير، خلال هذا الفصل بمشيئة الله، وفقه الله وتمم له.
  2. خلود جامعية، بكالوريوس شريعة، متزوجة.
  3. خديجة ثانوية عامة، متزوجة.
  4. مشاعل ثانوية عامة متزوجة.
  5. اسماء جامعية ، بكالوريوس أصول دين، متزوجة.
  6. ليلى طالبة في الجامعة كلية المجتمع.
  7. ليان طالبة في المرحلة المتوسطة.

ولديه العديد من الاحفاد والاسباط ، بارك الله فيهم، وجعلهم صالحين، وقرة عين لوالديهم، ووفقه ورفع من قدره، واعلى من شأنه، وكثر فينا من امثاله، واجزل له المثوبة، ورفع من درجاته في جنات النعيم.

                                      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    محبكم

سيرة العقيد ركن متقاعد:خالد بن يحيى سليمان الداثري الفيفي

  الرياض في 1443/8/20هـ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى