مقالات

شيلات الزواج .. استفهام لا يقبل الرضا

بقلم د. مصلح البركات

لم تعد شيلات الزواج في المجتمع المعاصر مجرد لونٍ من ألوان الفرح الشعبي أو امتدادًا بريئًا للغناء الاجتماعي الذي رافق الإنسان في لحظات التحول الكبرى في حياته، بل تحولت – في كثير من الحالات – إلى خطاب رمزي مكتمل، يحمل تصورات عن القيم، والوجاهة، والسلطة، والمكانة الاجتماعية.

ومن هنا تصبح الشيلة نصًا ثقافيًا، لا يُقاس بوقعه اللحني فقط، بل بما يبثّه من معانٍ، وما يرسّخه من تصورات، وما يعيد إنتاجه من علاقات غير متوازنة بين الواقع والقول.

في شيلات الزواج المعاصرة، نلحظ تضخمًا واضحًا في لغة المديح، يصل أحيانًا إلى حدّ صناعة بطولة رمزية للعريس لا تمتّ بصلة إلى واقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو حتى الأخلاقي.

يُقدَّم العريس في النص الشعري بوصفه شيخًا، ورافعًا للراية، ومرجعًا للقبيلة، وحاميًا للجار، ووارثًا لمجدٍ ممتد عبر القرون، بينما هو – في الحقيقة – شاب بسيط، ربما موظف محدود الدخل، وربما متديّن يحرص على الستر، وربما اضطر إلى الاستدانة ليقيم وليمة زواجه خشية الوقوع في حرج اجتماعي فرضته هذه الثقافة ذاتها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الخطاب الشعري يحتفي بما لا هو موجود، ولا يُنتظر أن يوجد.

إن المبالغة في هذا السياق لا يمكن تبريرها بوصفها “لغة شعرية” فحسب، لأن الشعر – حتى في أقصى حالاته المجازية – يقوم على علاقة ما بالواقع، أو على قيمة معنوية حقيقية يمكن تأويلها. أما حين يتحول المديح إلى قطيعة كاملة مع الواقع، فإنه يغادر دائرة الفن إلى دائرة التزييف الرمزي، ويصبح أداة لإعادة إنتاج وهم اجتماعي، لا وسيلة تعبير جمالية.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الشيلات يُسهم – من حيث لا يشعر كثير من الشعراء والمنشدين – في إعادة ترتيب الهرم القيمي داخل المجتمع. فالمكانة لم تعد تُقاس بالفعل، ولا بالبذل، ولا بالمسؤولية الاجتماعية، بل بالصوت الأعلى، والنص الأطول، والمبالغة الأشد.

وبهذا المعنى، يصبح الزواج مناسبة لإعلان “مجد لفظي” لا يقابله أي التزام عملي.

وفي مقابل هذا المشهد، يبرز تناقض صامت: كثير من التجار، وأهل اليسر، وأصحاب الجاه الحقيقي، الذين يسهمون في إعالة المحتاجين، ويدعمون المشاريع الخيرية، ويمارسون نفوذهم الاجتماعي بوعي وأثر، تمر مناسباتهم – أو تمر أسماؤهم – دون هذا التضخيم الشعري.

لا لأنهم أقل قيمة، بل لأن الخطاب الشعري في هذه المناسبات لا يبحث عن القيمة بقدر ما يبحث عن الاستعراض.

من زاوية أعمق، يمكن القول إن شيلات الزواج المبالغ فيها تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية مزدوجة:
• فهي تمنح العريس لحظة نشوة رمزية تعوّض نقصًا واقعيًا.


• وفي الوقت نفسه تفرض عليه عبئًا أخلاقيًا خفيًا، لأنه يُقدَّم للناس بما لا يستطيع الوفاء به.

وبهذا تتحول الشيلة من طقس فرح إلى آلية ضغط اجتماعي، تُجبر الأفراد على الدخول في سباق شكلي: قاعة أفخم، وليمة أكبر، قصيدة أطول، صوت أعلى… حتى لو كان الثمن دينًا مؤجلًا أو قلقًا دائمًا أو شعورًا بالزيف.

إن المشكلة، في جوهرها، ليست في الشعراء وحدهم، بل في الذائقة التي تكافئ هذا النوع من الخطاب، وتطلبه، وتراه معيارًا للفرح “اللائق”.

فالشاعر – في كثير من الأحيان – يكتب ما يُطلب منه، لا ما يؤمن به، والمنشد يؤدي ما يُرضي السوق، لا ما يُصلح الوعي.

من هنا، فإن إعادة النظر في شيلات الزواج ليست دعوة إلى التقشف الفني، ولا إلى قتل الفرح، بل هي دعوة إلى إعادة الاعتبار للصدق بوصفه قيمة جمالية وأخلاقية في آنٍ واحد.

أن يكون المديح متناسبًا مع الواقع، وأن يكون الاحتفاء بالإنسان بما هو عليه: بأخلاقه، وبسعيه، وباستقامته، لا بألقاب لا يحملها، ولا أدوار لم يؤدّها.

فالفرح الصادق لا يحتاج إلى أسطورة،
والزواج لا يحتاج إلى شيخ مُختلَق،
والشعر الحقيقي لا يرفع الناس فوق حقيقتهم،
بل يضيء حقيقتهم بما يجعلها أجمل، لا أضخم.


وحين نصل إلى هذه القناعة، تتحول الشيلة من عبء رمزي إلى نعمة اجتماعية، ومن خطاب تضخيم إلى خطاب بركة، ومن علامة استفهام إلى علامة رضا.

‫3 تعليقات

  1. اخي الدكتور مصلح بن بركات احسنت الاختيار والطرح في هذا المجال والحقيقة ان ما تفضلت به هو الواقع في كثير من المناسبات بدأها المقتدر وتحمل اعبائها من لا قدره على تكاليفها الا بقرض بنكي طويل الاجل وكل تلك الشيلة في قصاصة ورق وتسجيل صوتي لا يتجاوز تلك الليلة عند اغلب الحضور ولربما عند المتكلف ايام لا تتعداء اصابع اليدين، ومثل ما تكرمت به تصور صاحب تلك المناسبة صوره مخالفة لواقعه الحقيقي يعيش بها فترة من الزمن بين المصدق والمكذب هل انا ذلك الانسان الشجاع الكريم الذي لم يكتشف نفسه الا في هذه المناسب والتي ممكن تكون الأولى والأخيرة، والله اعلم بالخوافي وما تحمله من اعباء مالية ونفسية … شكرا سعادة الدكتور مصلح على هذا الابداع الرائع والاختيار الموفق، ولعلها تكون درس مفيد للجميع لاعادة النظر في بعض التصرفات، وتقبل تحياتي.
    ابو خالد عبدالعزيز

  2. بارك الله فيك دكتور على ما سطره قلمك من مواضيع هادفه تصب في مصلحة المجتمع عامه 🌺

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى