مناسبات

صامطة… حين تمشي السيوف على إيقاع المجد

كتبه أ - حمد دقدقي

في مشهدٍ تتعانق فيه الذاكرة مع الحاضر، يشارك جناح محافظة صامطة في مهرجان جازان 26، المقام في الشارع الثقافي بالواجهة البحرية الشمالية بمدينة جيزان، مقدّمًا لوحةً حيّة من التراث والهوية، حيث لا تُرفع السيوف للزينة، بل تُشهر بوصفها ذاكرةً نابضة تحكي سيرة أرضٍ سلكت الشرف طريقًا، واتخذت الوفاء نهجًا.

خطواتٌ واثقة لرجالٍ يشبهون التاريخ في هيبتهم، وصوت العرضة يعلو كنداءٍ قديم، يوقظ في القلوب عهد الآباء، ويجدد البيعة للمجد. هنا، تمشي السيوف متكئةً على إيقاع الفخر، وتتكلم الملامح بلغة الأرض.

هنا صامطة…
تراثٌ يمشي، وحين يحضر الرجال، تحضر الهيبة، ويتكلم التاريخ.

وليست صامطة مدينةً عابرة في خارطة الجنوب، بل ذاكرةٌ تسير على قدمَي الزمن، وتفتح نوافذها على قرونٍ من العلم والحياة. عند وادي المغيالة، تقف شامخةً كقصيدةٍ قديمة، تحفظ أبياتها عن ظهر قلب، وتهبها للأجيال محمّلةً بالمحبة والفخر.

مدينةٌ سبقت غيرها إلى التعليم، وأوقدت مصابيح العلم منذ أكثر من سبعة عقود، فغدت منارةً للمعرفة، ومهدًا للحراك الثقافي في جازان.

في شوارعها، تفوح رائحة الماضي من الجدران، ويُسمع صدى خطى العلماء والتجار والرحّالة، كأن التاريخ لم يغادرها قط.

تعددت الروايات حول اسمها، واختلفت اللهجات في نطقه، لكنها اتفقت على المعنى؛ الصمود. من “سامطة” البئر الباردة، إلى “صامدة” التي لم تنحنِ، بقيت المدينة وفيةً لروحها، تجمع الناس كما جمعتهم مياهها الأولى.

وفي حصن الشريف، تحرس الحجارة حكايات الحكم والقيادة، ويشهد الطين المحروق والخشب على عصورٍ تعاقبت، بينما يطل الحصن على الوادي مراقبًا الزمن وهو يمرّ من تحته. وبالقرب منه، يقف بيت القرعاوي شاهدًا على رسالة العلم والدعوة، حيث زُرعت الكلمات في العقول كما تُزرع السنابل في الحقول. أما سوق الاثنين، فيبقى نبضًا متجددًا للمدينة، حكايةً أسبوعية تمتد لأكثر من قرنين، تختلط فيها اللهجات بروائح الأرض، فتغدو صامطة سوقًا للحياة بقدر ما هي سوقٌ للبضائع.

صامطة تنظر بعينٍ مفعمة بالإجلال إلى ماضيها العلمي والتاريخي، وبعينٍ أخرى حالمة بمستقبلٍ أكثر إشراقًا. هي درسٌ في الوفاء للجذور، ورسالةٌ بأن المدن، حين تحفظ ذاكرتها، لا تكبر في العمر فحسب، بل تكبر في القيمة والبهاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى