
تشارك محافظة صبيا في مهرجان جازان 2026م، المقام حاليًا في الشارع الثقافي بالواجهة البحرية الشمالية لمدينة جيزان، من خلال جناحٍ يُعدّ من أبرز أجنحة المهرجان، جاء بإشراف ومتابعة من محافظ صبيا المكلّف الأستاذ أحمد موسى أبو قرن.
جناحٌ صاغ ملامح المحافظة في لوحةٍ واحدة، جمعت الموروث الثقافي والتراثي والحضاري، مع البعد التنموي والتشكيلي، ليكون نافذةً للتعريف بصبيا ونقل ذاكرتها للأجيال القادمة.
ليست صبيا اسمًا يُشار إليه على خارطة، بل قلبًا نابضًا تشكّل من تلاقي البحر بالجبل، ومن حوارٍ قديمٍ بين الإنسان والأرض. منذ أن أبصرت ملامحها الإدارية عام 1352هـ، وهي تمضي شمال جازان بنحو سبعةٍ وثلاثين كيلومترًا، تتكئ غربًا على زرقة البحر، وتصافح شرقًا صلابة الجبال، وتفتح ذراعيها لبيش والعيدابي، وتطلّ على عاصمة المنطقة كمن يراقب المستقبل بثقةٍ وهدوء.
في صبيا، تتوزّع القرى والهجر كعقدٍ عتيق، خمسٌ وأربعون حبّةً من ذاكرةٍ واحدة، تجمعها ثلاثة مراكز إدارية: قوز الجعافرة، العالية، والكدمي. هنا، يعيش ما يقارب ثلاثمائة ألف نسمة، لكل قريةٍ لهجتها وحكايتها، لكنهم يلتقون في نبضٍ واحدٍ اسمه المكان، وفي انتماءٍ لا يتجزأ.
وتحت راية وطنٍ يمضي بثبات نحو الغد، تشهد صبيا حراكًا تنمويًا يلامس تفاصيل الحياة اليومية؛ مستشفى عام يفتح أبواب الأمل، ومركز لغسيل الكلى يخفف وطأة الوجع، ومراكز رعاية صحية أولية تمتد إلى القرى، إلى جانب مدارس ومعاهد وكليات جامعية، ونادٍ رياضي «الأمجاد» يصوغ أحلام الشباب في ميادين المنافسة. مؤسسات حكومية راسخة، وإسكان خيري يمد جسور الرحمة، في صورةٍ إنسانية تعكس روح الجنوب وعمق تماسكه.
اقتصاديًا، كانت صبيا وما زالت ملتقى طرقٍ وحكايات. سوق الثلاثاء الشعبي شاهدٌ حيّ على ذاكرة التجارة، حيث تختلط الأصوات والروائح والبضائع، وتنبض الحركة بروحٍ قديمة، قبل أن تتّسع المدينة لوجهٍ حديثٍ من المراكز الاستثمارية، تمسك بخيط الماضي وتنسج به ثوب الحاضر.
أما التاريخ، فله في صبيا مقاماتٌ وشواهد. آثار الأدارسة بطرازها التهامي، وقصور ومساجد تحكي زمنًا سابقًا للتوحيد، ومدينة عَثَر التاريخية على ساحل البحر الأحمر، التي تهمس بأخبار أسواق العرب ودنانير الذهب المخلّدة في كتب النقود. وفي المشلحة، يعود بنا المكان إلى العصر الحجري الحديث، بينما تقف قبور أبي دنقور العملاقة علامة استفهام مفتوحة على أسرار الأزمنة السحيقة.
سياحيًا، تتجلّى صبيا لوحةً متعددة الألوان؛ بخضرتها الدائمة وأوديتها، وصولًا إلى رأس الطرفة حيث الإبحار والغوص وصيد السمك، ومشروعات استزراع الربيان التي تبشّر بغدٍ واعد. وتتسارع وتيرة التنمية بمشروعاتٍ نوعية تنفّذها بلدية محافظة صبيا، في مسارٍ ينسجم مع رؤية المملكة 2030، لخلق بيئةٍ أكثر رحابة للحياة، وحدائق ومساحات ترفيهية، وفرصٍ استثمارية تستقطب الطموح. هنا، لا تُبنى الطرق وحدها، بل تُعبد مسارات المستقبل.
صبيا… مدينةٌ تمشي فيها فتشعر أن التاريخ يمسك بيد التنمية، وأن الطبيعة تبتسم للإنسان. ليست أطرافها أطرافًا، بل نبضًا متصلًا في جسدٍ واحد.
هكذا تكتب صبيا سيرتها: ذاكرةٌ تُحفظ، وجمالٌ يُستثمر، ومستقبلٌ يُصاغ بخطواتٍ واثقة على كتف الأرض.




كتبه أ / حمد دقدقي




