صندوق النقد: النجاحات المحقَّقة في المملكة رفعت سقف التحدي
المملكة في «دافوس 2026».. حضور قيادي يرسم ملامح الاقتصاد العالمي

جاءت مشاركة المملكة العربية السعودية في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في “دافوس” تأكيدًا لثقلها المتنامي على الساحة الدولية، حيث حضرت كفاعل رئيس في نقاشات “الاقتصاد، التنمية، التقنية، والبيئة”، ومع استمرار حضورها المؤثر عامًا بعد عام، كرّست المملكة موقعها كقوة قادرة على صياغة التوجهات العالمية وقيادة مبادرات نوعية، مدعومة برؤية واضحة وقدرة راسخة على بناء الشراكات ذات الأثر العابر للحدود.
من منصة “دافوس 2026″، أعادت المملكة رسم صورتها أمام العالم كقوة اقتصادية صاعدة، بعدما قدّم وزراؤها سردًا متماسكًا لمسار “رؤية 2030” التي انتقلت من إصلاحات هيكلية عميقة إلى مرحلة تنفيذ عالية الكفاءة. وبالأرقام والمؤشرات، كشفت المملكة عن نموذج اقتصادي جاذب للاستثمار، يحقق نموًا متسارعًا في تكوين رأس المال ويضعها جنبًا إلى جنب مع أكبر الاقتصادات العالمية، في تأكيد واضح على تصاعد الثقة الدولية بصلابة الاقتصاد السعودي وآفاقه المستقبلية.
حضر دور المملكة في استقرار الإقليم والأسواق العالمية بقوة في هذه المحافل، لا سيّما في قطاع الطاقة، حيث أسهمت في تعزيز التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين، من خلال تبنّي نهج الاقتصاد الدائري للكربون، وما يواكب ذلك من تحولات عالمية نحو الطاقة النظيفة والتعدين المستدام.
المملكة تمتلك مرونة في النظام المالي
وخلال مشاركته أكد وزير المالية محمد الجدعان: «إن الرؤى والإصلاحات يجب أن لا تعامَل بوصفها مسلّمات»، مشيراً إلى أن التحديات غالباً لا تكون في الرؤية ذاتها، بل في التنفيذ، حيث تبدأ كثير من برامج الإصلاح حول العالم بوتيرة جيدة ثم تتوقف، مفيداً بأن المملكة تمتلك مرونة عالية في النظام المالي، كما تملك أكبر الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، ما يبرهن على وجود إصلاح قوي ومستدام في وجه التحديات. وأوضح الجدعان أن المملكة نجحت في تنفيذ 93 % من مؤشرات الأداء الرئيسة لـ»رؤية 2030»، التي تم تحقيقها أو تمضي في مسارها المرسوم، مضيفاً أن الإصلاح الاقتصادي في المملكة تجاوز مرحلة المبادرات ليصبح سلوكاً مؤسسياً دائماً ومستداماً، مدعوماً بنمو الاحتياطيات المالية بنسبة 22 %، بين عامي 2022 و2025.
لاستثمارات ضخمة
من جهته أفاد وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح: «بأن العالم يواجه مخاطر جسيمة تتعلق بسلاسل التوريد الجيوسياسية، والاضطرابات التكنولوجية»، مؤكداً أن رؤوس الأموال لا يمكنها الهروب من المخاطر بشكل كامل، لكنها تحتاج إلى إيجاد طرق لموازنة تلك المخاطر مع متطلبات النمو، في وقت يحتاج فيه العالم إلى استثمارات ضخمة لمعالجة التحولات الكبرى الجارية.
وتابع الفالح أن هذه الاستثمارات مطلوبة لمعالجة الرقمنة في قطاع الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي عالمياً، مشيراً إلى أن المستثمرين يبحثون عن أماكن تتوافر فيها الفرص بكثرة، ليس فقط لخدمة الأسواق المحلية الكبيرة، بل أيضاً للوصول إلى الأسواق العالمية.
وقال الفالح: إن المملكة لم تعد تكتفي بدورها كمورد للنفط والغاز، بل تراهن على الهيدروجين في الاقتصادات الجديدة، وتعمل على توطين الطاقة المتجددة، والربط الكهربائي مع أفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق ومصر، إضافةً إلى الربط بالطاقة المتجددة.
وأكد الفالح أيضاً أن الاستثمارات تمتد كذلك إلى قطاع المعادن وسلاسل التوريد العالمية الحيوية، مستشهداً باستثمارات مشتركة مع شركات عالمية، من بينها استثمارات في الولايات المتحدة وآسيا لمعالجة احتياجات المنتجات والمواد في بيئة منخفضة الكربون.
وأفاد أن المملكة تمثل سوقاً محلية كبيرة، مع إيمانها بقوة دول مجلس التعاون الخليجي، معتبراً أن الشرق الأوسط سيخرج من بعض الاضطرابات والتوترات ليصبح سوقاً محلية ضخمة، موضحاً أن المملكة ترى نفسها أيضاً مركزاً للاقتصاد الجديد، بما يشمل البيانات والذكاء الاصطناعي، مع هدف يتمثل في جعل المملكة لاعباً مهماً في هذا المجال.
المملكة غنية بالموارد الطبيعية.
من جانب آخر أشار وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف: «أن المملكة غنية بالموارد الطبيعية بما في ذلك النفط والغاز والبتروكيماويات والمعادن، غير أن موردها الأهم هو الطاقات الشابة والثروة البشرية.
وأوضح الخريف خلال مشاركته في جلسة نقاش رفيعة المستوى حملت عنوان «الرمز البشري.. تصميم أنظمة لتعزيز القدرات» ضمن فعالية «Saudi House» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة دافوس السويسرية، أن المملكة تتمتع بطاقات شابة تشكّل نسبة كبيرة من إجمالي السكان، وتمثل ركيزة إستراتيجية مهمة وقيمة مضافة نوعية، في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة تحديات متزايدة نتيجة شيخوخة السكان وتراجع القوى العاملة.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الثروة البشرية إلى قيمة مضافة مستدامة من خلال تنمية القدرات البشرية، مشيرًا إلى أن المملكة شهدت خلال السنوات القليلة الماضية تطورًا سريعًا في التعليم والتدريب وتنمية المهارات وإعادة تأهيلها، إلى جانب تبني التكنولوجيا في مختلف القطاعات.
ولفت إلى أن الشباب السعودي ينجذب بشكل متزايد إلى الوظائف القائمة على التقنية، ما يُعيد تشكيل النظرة إلى القطاعات التقليدية، مشددًا على أن استقطاب الشباب إلى قطاعات مثل التعدين يتطلب تحويلها إلى صناعات حديثة تعتمد على التكنولوجيا، وتتميز بالابتكار والتنافسية واستشراف المستقبل.
واستعرض رؤية المملكة الطموحة في تطوير قدراتها البشرية وإكسابها المهارات العالية للتعامل مع تقنيات التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي، بما يواكب مرحلة التحوّل الصناعي التي تشهدها. مسلطا الضوء على كيفية إحداث التقدم التقني تحولًا في النماذج الصناعية، مبينًا أن نهج المملكة في تبني الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم ينطلق من رؤية واضحة تركز على تحديد الأدوار والمهام التي يُمكن أتمتتها، فبعد أن كان الحجم الكبير للمنشأة شرطًا أساسيًا للتنافسية، أصبحت التكنولوجيا اليوم ركيزة مهمة لتعزيز التنافسية، ما يفتح المجال أمام قدرات صناعية أكثر تنوعًا.
«تحول أجيال» عابر للقطاعات
من جهتها، أعربت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، عن إعجابها الاستثنائي بمسيرة الإصلاحات الهيكلية التي تشهدها المملكة، مؤكدةً أن ما يحدث فيها هو «تحول أجيال» عابر للقطاعات، وضع المملكة في مكانة الريادة الدولية. وأكدت أن النجاحات المحقَّقة في المملكة لم تؤدِّ إلى التراخي، بل رفعت سقف التحدي. وقالت: «ما نراه في المملكة مثير للإعجاب حقاً؛ فالإصلاحات التي قلّصت الدور المباشر للحكومة ومنحت المساحة للقطاع الخاص ليزدهر، هي المصدر الرئيس للصمود الاقتصادي اليوم»، مشيرةً إلى أن مرونة القطاع الخاص السعودي باتت نموذجاً يُحتذى به في ظل عالم مضطرب. ولفتت إلى أن التنويع السعودي تجاوز النفط والغاز ليشمل «الخدمات المالية، السياحة، الرياضة. وأوضحت أن مكتب صندوق النقد الدولي في الرياض يعمل على نقل التجربة السعودية للدول الأخرى، مؤكدةً «أن الطلب السعودي على الإصلاح في برامجنا الدولية لا يقل قوة عن طلبات الصندوق نفسه، ما يسهل على الدول الأخرى إيجاد طريقها للمستقبل».
بناء قاعدة إنتاجية متينة
من جانبه أشار وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، إلى تجربة المملكة في استحداث محركات النمو، وبناء قاعدة إنتاجية متينة ترتكز على الاستثمار في القطاعات الحيوية، وتعزيز إسهامات الأنشطة ذات العوائد الاقتصادية النوعية؛ حيث حقّق نحو 74 من الأنشطة الاقتصادية غير النفطية خلال الـ5 سنوات الماضية، من أصل 81 نشاطًا غير نفطي، نموًا سنويًا يتجاوز 5 %، من بينها 38 نشاطًا اقتصاديًا سجّلت نموًا يفوق 10 %؛ ما يعكس توسعًا حقيقيًا في القاعدة الإنتاجية لاقتصاد المملكة.
وشهدت أعمال المنتدى إطلاق مبادرات نوعية، أبرزها إنشاء «مركز الاقتصاديات السيبرانية» في الرياض، ليكون منصة عالمية تُعنى بارتباط الاقتصاد بالأمن السيبراني، كما انضمت مدينة الجبيل الصناعية إلى مبادرة «التحول نحو تجمعات صناعية مستدامة» لتصبح الأولى في الشرق الأوسط ضمن هذا الإطار، فيما أبرزت مبادرة «مسرعة أسواق الغد» جهود المملكة في دعم الابتكار ونمو الأسواق الواعدة.
وعكس جناح مبادرة «Saudi House» الدور المتنامي للمملكة في الساحة الدولية وتأثيرها الفعّال، بصفته منصة تربط رواد الأعمال وصنّاع التغيير والمبتكرين؛ لطرح رؤى إستراتيجية حول أهم المجالات التي تشكل مستقبل العالم، حيث تمكن الزوار من اكتشاف الفرص التنموية والاستثمارية التي أوجدتها رؤية المملكة 2030، ليكتشفوا ثروة من المعرفة والإلهام الجديد من خلال الموضوعات التي تم مشاركتها ضمن المبادرة. وبهذا الحضور المتنامي في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، تواصل المملكة تأكيد دورها المحوري في صياغة الحلول الدولية وتعزيز الشراكات العالمية، وتبرهن مشاركاتها المتتالية على قدرة رؤية المملكة 2030 في توجيه مسار التعاون الدولي نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتنمية..

الرياض – حازم بن حسين

- في افتتاحية مثيرة لبطولة منتخبات جازان “العارضة” يعبر جازان و”الطوال” يقصي صامطة بركلات الترجيح
- مهرجان شتاء الباحة بقلوة.. جمال المكان ودعم القيادة يصنعان الفرق
- استثمارات تتجاوز 1.17 مليار ريال.. أمانة جازان تعزز منظومة القطاع الصحي بمشاريع نوعية
- صندوق النقد: النجاحات المحقَّقة في المملكة رفعت سقف التحدي
- عُمرُنَا حُلْم



