مقالات

بعد رحيلهما… صار القلب وطنًا للحزن

الكاتبة: عبير عبدالله

ليس الفقد حادثةً عابرة في تقويم الأيام، بل حالة دائمة تتبدّل ملامحها ولا يزول أثرها.

وحين يرحل الأبوان، لا يخلو البيت فقط، بل تخلو الروح من يقينها الأول، ويصير القلب أرضًا مفتوحة للحنين بلا مواسم راحة.

رحل أبي وأمي عن الدنيا، لكنهما لم يغيبا عن داخلي.

ما زالا يقيمان في الدعاء، ويحضران في لحظات الانكسار، ويتجسّدان كلما احتجت إلى طمأنينة لا يمنحها أحد سواهما.

غيابهما لم يكن انقطاعًا عن الوجود، بل انتقالًا موجعًا من حضورٍ ملموس إلى حضورٍ لا يُرى ويثقل القلب.

أبي… كان المعنى العملي للأمان، وميزان القوة حين تختلط بالمخاوف.

علّمني أن الصلابة لا تعني القسوة، وأن الصبر ليس هروبًا من الألم بل مواجهة صامتة له، وأن الكرامة سلوك يومي لا شعار موسمي.

وحين غاب، أدركت أن بعض الأعمدة إذا سقطت لا يُعاد ترميم السقف بعدها، وأن الزمن قد يداوي الجراح لكنه لا يعيد الأوطان.

أمي… كانت اللغة الأولى للرحمة، والمعنى الأخير للدفء.

في حضورها كانت الحياة أخف وزنًا، وفي غيابها صار كل شيء أثقل من طاقتي.

منذ رحيلها تغيّر إيقاع الأيام؛ صار الدعاء عادةً لا خيارًا، وصار الدمع مفردة صامتة في قاموس الروح، وصارت التفاصيل الصغيرة تحمل عبء الفقد كله.

اجتمع الفقد عليّ، فصار وجعي مضاعفًا، غير أن عزائي الوحيد أن الله جمعهما في رحمته، في موضعٍ لا شقاء فيه ولا فراق.

أفتقدهما لا في المناسبات الكبرى فقط، بل في اللحظات التي لا يلاحظها أحد:
في السؤال الذي لم يُسأل،
في النصيحة التي لم تُقال،
في الأيام التي ظننتها مؤجّلة فاكتشفت أنها كانت الفرصة الأخيرة.

الفقد ليس مراسم وداع،
الفقد هو أن تعيش المواقف دون شهودها الحقيقيين،
أن تنجح ولا تجد من يقول: «كنت أعلم أنك ستصل»،
أن تتعب ولا تجد من يمسح عن روحك قبل وجهك.
رحم الله أبي وأمي بعدد ما أعطيا دون حساب،
وبعدد ما أحبّا دون شروط، وبعدد الدموع التي ذرفتها شوقًا لا اعتراضًا على قضائه.

سيبقيان دعائي الذي لا ينقطع، وذكراهما الضوء الذي أستدلّ به حين تشتدّ عتمة الطريق.

وفي تجربة فقد الوالدين، نتعلّم أن البر لا ينتهي بالموت، وأن الحب لا يُدفن مع الأجساد، وأن الدعاء هو الشكل الوحيد الممكن للاستمرار، وأن بعض الأوجاع لا تُشفى…

لكنها تُهذّب القلب.

بعد رحيلهما… صار القلب وطنًا للحزن

‫18 تعليقات

  1. فقدان الوالدين من أقسى التجارب الإنسانية، وجعٌ عميق يترك فراغًا لا يملؤه شيء. برحيل الأب والأم يتغيّر الإحساس بالأمان، وتصبح الحياة أكثر صمتًا وثِقلاً. هو فقد لا يمرّ، بل يتعايش معه الإنسان، ويكبر أثره مع الذكريات والحنين.

    نسأل الله أن يرحمنا ويرحم أمواتنا وأموات المسلمين

  2. تجسيد لمعني الفقد الحقيقي “أفتقدهما لا في المناسبات الكبرى فقط، بل في اللحظات التي لا يلاحظها أحد”
    اسأل الله لهما الرحمة والمغفرة ولجميع موتى المسلمين

  3. سيدة الحرف انتي وعازفه لي شعور الفقد شكلتي الحرف ك صلصال سهل ليصبح صلب يرتكز في داخلنا ك متلقين لما تكتبين ان تكوني كاتبه طبيعي ولاكن ان تكونين تشعرين بما تكتبين فهذا..إنجاز إنما هذي قطره من بحر فكرك اطلقي جنون الحرف وعنفوان الانثى الي تصنع من الوجع قوه قويه انت وجميله ولطيفه كااسمك (عبير)

  4. كتبتي بهدوء القلب وصدق الشعور. قصتكِ عن فقد والديكِ جاءت كهمسٍ دافئه، تحمل الحنين دون ضجيج، وتترك أثرها بلطف في النفس. كلماتكِ كانت وفاءً جميلًا لذكرى لا تغيب، ورسالة صامتة تقول إن الحب يبقى، حتى بعد الغياب انت كاأسمك . عبير

  5. فقد الأم كسرٌ لا يُجبر.. وفقد الأب يُحفر ثُقباً في الروح لا يُردم.. اللهُمَّ إرحم والداي وأذقهم من النعيم ما وعدت بهِ المؤمنين، اللهُمَّ إجعلهم في نعيمٍ دائمٍ لا ينقطع، اللهُمَّ أعفو عن أمي وأبي وأغفرلهم، اللهُمَّ نورّ قبورهم وأرفع مقامهم وإجعلهم في فردوسك الأعلى ياغفور يارحيم 💔 مبدعه عبير والله يوفقك ويكتب لك الخير والى الامام داىما

  6. أنيقة الحرفأ/ عبير شكرا لهالابداغ المتدفق دائما مبدعه وجمال روحك دائما واضحه من خلال نصوصك الي تبهرينا فيها من وقت لآخر
    شكرا لك ❤️❤️

  7. أنيقة الحرف
    أ/ عبير شكرا لهالابداغ المتدفق دائما مبدعه وجمال روحك دائما واضحه من خلال نصوصك الي تبهرينا فيها من وقت لآخر
    شكرا لك ❤️❤️

  8. رحمهما الله واعانك على الصبر ، هذه الدنياء دار ممر وليست مسقر
    جمعنا واياكم بمن نحب في جنته يارب

  9. الفقد اصعب شي في حياة الإنسان واللي مره فيه يحس بشخص اللي فقد شي غالي عليه

  10. رحمهما الله استاذه عبير
    هذه الدنياء دار ممر وليست مستقر
    جمعنا واياكم بأحبتنا في جنته يارب

  11. ابدعتي كلام نابع من القلب، يمثل الكثير

    مرره شكرا 🙏 بالفعل لامسني .

    الله لهم ولاموات المسلمين الرحمه والمغفره 😞

  12. من أجمل الكلام الي كنت متحمسة أقرأه وكان قد الحماس سلمت الأنامل الي كتبته وأنا فعلاً عاجزة عن التعبير لهذا الكمّ الهائل من الجمال تبارك الرحمن مُبدعة

  13. مقال كُتب بصدقٍ عميق، فلامس القلوب دون استئذان.
    لم يكن عن الفقد كذكرى، بل عنه كحياةٍ تُعاش بعد الرحيل.
    رحم الله والديك رحمةً واسعة، وجعل هذا الحرف امتدادًا لبرٍّ لا ينقطع،
    وكتب لك السكينة التي لا يعرفها إلا من ذاق هذا الوجع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى