
في مشهدٍ يفيض بدفء المكان وصدق الرسالة، شهدت قرية جازان التراثية توقيع اتفاقية شراكة مجتمعية مع جمعية إنماء الأسرية بمحافظة فيفا، في خطوةٍ تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتستمد قوتها من الجذور، وتستشرف المستقبل برؤية واعية ومسؤولة.
لم يكن التوقيع حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل لقاءً رمزيًا بين ذاكرة المكان وطموح المجتمع؛ حيث تحولت الجدران الطينية، والأزقة العتيقة، إلى شاهدٍ حيّ على شراكةٍ تُعيد للتراث دوره كمساحةٍ للحياة، والعمل، والعطاء. اتفاقيةٌ تؤمن بأن صون الموروث الثقافي لا يتحقق بالحفظ فقط، بل بإشراك الإنسان، وتمكين الأسر، ودعم الحِرف، وتحويل التراث إلى مشروعٍ تنموي نابض.
وتهدف الشراكة إلى تنفيذ برامج وفعاليات ثقافية واجتماعية وتراثية، تسهم في تعزيز الهوية الوطنية، ودعم الأسرة بكافة مكوناتها إيماناً منها بان الأسرة هي المكون للمجتمع ، وفتح آفاق جديدة للإبداع المجتمعي، من خلال ورش العمل والمبادرات النوعية التي تمنح الحكاية الشعبية صوتًا جديدًا، وتعيد للحرفة قيمتها، وللمكان حضوره في وجدان الأجيال.
وأكد الطرفان أن هذه الاتفاقية تأتي امتدادًا لإيمانٍ راسخ بأهمية الشراكات المجتمعية في صناعة الأثر المستدام، وأن التكامل بين المؤسسات الثقافية والجمعيات الأهلية هو الطريق الأقرب لبناء مجتمعٍ متماسك، وتحويل التراث من ذاكرةٍ ساكنة إلى مشروع حياةٍ متجدد.
وفي السياق ذاته، تواصل جمعية إنماء الأسرية بمحافظة فيفا دورها الريادي في بناء الإنسان من الداخل، عبر تنفيذ برنامج الحوار الأسري، أحد البرامج الوطنية النوعية التي تستهدف ترسيخ ثقافة الحوار البنّاء، وبناء أسرة واعية قادرة على إدارة الاختلاف، والإنصات قبل الحكم، والتفاهم قبل الصدام.
وأكدت الجمعية أن كثيرًا من التحديات الأسرية لا تنبع من غياب المودة، بقدر ما تتغذى على ضعف التواصل وسوء الفهم، حين تضيع المشاعر في زحام الكلمات، وتتعثر النوايا لغياب لغة الإصغاء.
وأوضح رئيس مجلس إدارة الجمعية الأستاذ أحمد بن إبراهيم الفيفي أن الحوار الأسري ليس ساحةً للجدل ولا ميدانًا للانتصار للرأي، بل مساحة إنسانية تُبنى فيها الجسور، وتُصان فيها المشاعر، وتُسمع فيها القلوب قبل الأصوات، وتُفهم فيها المقاصد قبل العبارات.
وأشار الفيفي إلى أن جمعية إنماء الأسرية تُعد واحدة من خمس جمعيات على مستوى المملكة جرى اختيارها لتنفيذ هذا البرنامج الوطني، الذي يسعى إلى تأصيل ثقافة الحوار داخل الأسرة، والمساهمة في بناء مجتمعٍ حيوي ومحصّن، ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وبيّن أن البرنامج يُنفذ عبر مسارات متكاملة، تشمل المسار الإعلامي التوعوي، والمسار التدريبي من خلال برامج حضورية وعن بُعد في المدارس ومقار الجمعية، إضافة إلى الفعاليات الجماهيرية، وذلك بالشراكة مع الجهات الحكومية بمحافظة فيفا وعدد من الجهات ذات العلاقة.
وتناول الفيفي أنماط التواصل داخل الأسرة، موضحًا أن النمط العدواني يزرع الخوف ويؤجج التوتر، بينما يؤدي النمط السلبي إلى تراكم المشاعر الصامتة، مؤكدًا أن النمط الحازم، القائم على الوضوح والاحترام، هو الطريق الأمثل لحوار صحي ومستدام.
وأكد أهمية الإعلام كشريكٍ أصيل في صناعة الوعي، من خلال تفعيل منصات التواصل الاجتماعي، وتعزيز الشراكات الإعلامية، وإيصال الرسائل التوعوية للمجتمع، مثمّنًا في الوقت ذاته دعم القيادة الرشيدة – أيدها الله – والجهات الرسمية بمحافظة فيفا، ومشيدًا بجهود فريق العمل والمتطوعين في جمعية إنماء الأسرية.
هكذا تمضي قرية جازان التراثية وجمعية إنماء الأسرية بفيفا، بخطى واثقة، واضعتين الإنسان في قلب المشهد، والحوار في صميم الرسالة، والتراث في صدارة الاهتمام، ليبقى المكان شاهدًا على أن الشراكة حين تُبنى على الصدق، تُثمر وعيًا، وتزرع مودة، وتصنع مجتمعًا أكثر دفئًا وتماسكًا.





