مقالات

الدعاء خير من الغضب

بقلم : فهد بن إسماعيل السبعي

بعد صلاة العصر، وفي يوم من أيام الطفولة التي لا تشيخ في الذاكرة، قام أبي بعد أن احتسى ثلاثة أكواب من الشاي، كأنما استكمل بها سكون يومه.

لبس إزاره، ولفّ شماغه على رأسه، ثم ناداني بصوتٍ لا يعرف العجلة ولا الغضب:
«فكّ الحمار من مربطها».

جئت بها، وقرّبت البراذع—وهي ما يوضع على ظهر الحمار قبل الرحل—ثم وضع الرحل وشدّه بإحكام، وأدخل اللجام في فمها ليحكم سيرها، فلا تميل في الطريق، ولا تمتد إلى ما ليس لها من حقوق الناس.

ركب أبي، ومشى خطوات قليلة متجهًا إلى المزرعة.

وفي تلك اللحظات، اشتقت.
اشتقت للطريق، وللصحبة، ولأن أكون قريبًا منه. ناديته وألححت أن أرافقه، فأشار بيده أن أركب خلفه، واقترب من جدار المسجد المجاور للبيت. كان الجدار مرتفعًا، وكانت الدابة عالية، وكنت أنا طفلًا لا يعرف من الحذر إلا قدر ما يعرف من الشوق.

صعدت على الجدار، ولعل أبي—حفظه الله—لم يتحرّص كما ينبغي، فقفزت خلفه لأستوي على ظهرها، فإذا بالتوازن يختل، وإذا بنا نسقط معًا.

لم يكن السقوط هو ما أفزعني…
كان الخوف من أبي.
سقط جسدي على الأرض، وسقط قلبي من الهيبة.

ابتعدت خطوات قليلة، ووقفت أترقّب النتيجة: توبيخ، أو غضب، أو عقاب. كنت مستعدًا لكل شيء، حتى للهروب إن لزم الأمر.

لكن أبي نهض، وهو يضحك. نفض إزاره، وأعاد شماغه على رأسه، وقال بصوتٍ امتلأ رضا وسكينة:
«لا حول ولا قوة إلا بالله… الله يطرح فيك البركة يا ابني».
كررها ثلاثًا، كأنما يغرسها في قلبي غرسًا.

ثم ركب من جديد، وأشار إلي أن أعود. ترددت، لكن إصراره كان أحنّ من خوفي. ركبت خلفه هذه المرة وأنا أتحرّص عليه أكثر مما أتحرّص على نفسي. وما إن انبسط بنا الطريق حتى ضحك، وهزّ رأسه، وقال:
«الحمد لله أن الله سلّمنا… وأنا متعود على مثل هذه المواقف».

مرّ الزمان، وانقضت السنون، وأصبحت أبًا. وصارت تصدر من بناتي تصرفات لا يحتملها إلا من عرف معنى الأبوة. تصرفات قد تؤلم الجسد، أو تجرح الخاطر، أو تفاجئك بكلمة لم تكن تتوقعها.

وفي كل مرة يشتد فيها الغضب، يعود إليّ ذلك المشهد: أبي على ظهر تلك الدابة، يضحك بعد السقوط، ويختار الدعاء بدل الانفعال. فأمسك نفسي، وأقول كما كان يقول:
«لا حول ولا قوة إلا بالله».
وأدعو كما كان يدعو:
«اللهم اطرح فيهم البركة».

علّمني أبي أن التربية ليست ردّة فعل، بل حسن اختيار.
وأن الدعاء وقت الغضب تربية خفية لا يراها الطفل، لكنها تستقر في قلبه.
وأن بعض الآباء يربّون أبناءهم بالكلام، وبعضهم يربّيهم بالمواقف.

أبي—حفظه الله—لم يكن يعلّمني درسًا عابرًا، بل كان يغرس منهج حياة.
جامعة عظيمة، ودرس لا يُنسى، أحمله معي، وأستحضره، وأردده، حتى ألقى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى