مقالات

حين تتحوّل التفاهة إلى قضية

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليست المشكلة في كثرة الخصومات، بل في رداءة أسبابها، ولا في ارتفاع الأصوات، بل في انحراف مواضعها. فما نشهده في بعض النزاعات الأسرية اليوم ليس دفاعًا عن حق، بل ممارسة منهجية للهروب من الحق، عبر استبدال القضايا الكبرى بتفاصيل تافهة تُستدعى متى اقتضت الحاجة إلى الصدام.

يُهدَم بيت الزوج بلا مقدمات، ويُنتزع الأبناء من سياقهم الطبيعي، ويُغلق باب الحوار، ويُقصى الطرف الآخر دون مساءلة أو محاسبة، ثم يمرّ كل ذلك وكأنه حادث عابر لا يستحق الوقوف عنده. لا سؤال، لا مراجعة، لا محاولة إصلاح. صمتٌ يرقى إلى مستوى التواطؤ، لا الحياد.

ثم، بعد أن تقع الطامة وتستقرّ آثارها، يُعاد إحياء الخصومة بسبب قميصٍ بالٍ، أو متعلّقٍ لا قيمة له، أو تفصيلٍ لا يصمد دقيقة واحدة أمام ميزان العقل. عندها فقط تُستنهض الأخلاق، ويُرفع لواء الحقوق، وتُفتح أبواب الاتهام، لا لأن ظلمًا جديدًا وقع، بل لأن الخصومة تبحث عن ذريعة أقل كلفة من مواجهة الجريمة الأصلية.

هذا السلوك ليس سذاجة، بل اختيار واعٍ لنقل الصراع من ميدانه الحقيقي إلى ساحة مضمونة النتائج. فمواجهة الفعل الجوهري تتطلّب شجاعة ومسؤولية، أما التشبّث بالتفاصيل، فيكفيه صوت مرتفع ومظلومية مصطنعة.

والأخطر من ذلك أن المجتمع، بصمته أو مجاملته، يمنح هذا الانحراف شرعية زائفة. حين يُترك اقتلاع الأبناء بلا مساءلة، ثم يُساند الصراخ على الهامش، نكون قد شاركنا – عن قصد أو جهل – في إعادة تعريف الظلم، لا في مقاومته.

من منظور أخلاقي صارم، لا يحق لمن صمت عن الخراب أن يتحدّث باسم الفضيلة، ولا لمن تجاوز الطامة أن يستنفر الضمير العام لأجل تفصيل. فالحقوق لا تُنتقى انتقاءً، والمبادئ لا تُستدعى حسب المزاج، ومن يسكت حين يجب الكلام، يسقط حقه في الضجيج لاحقًا.

إن أخطر ما في هذه القضايا ليس انهيار أسرة بعينها، بل ترسيخ ثقافة تُعلّم الناس أن الجريمة يمكن تجاوزها بالصمت، وأن الخصومة يمكن تزييفها بإتقان. وهذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة وعي جمعي فقد قدرته على التمييز بين الخطأ العارض والخطيئة المؤسسة.

ولن يُصلح هذا الخلل خطابٌ ناعم، ولا تسويات شكلية، ولا وسائط تُدار بالمداهنة، ولا عبارات من طراز «الطرفين مخطئين». فالخطأ هنا واضح، ومسؤوليته محددة، ومحاولة تذويبه في ضباب العموميات ليست حيادًا، بل انحيازًا صريحًا للخلل.

إن الكلمة الصادقة – مهما بدت قاسية – أقلّ ضررًا من صمتٍ يبارك الانحراف. فحين تُسمّى الأشياء بأسمائها، قد نخسر مجاملة، لكننا نحفظ ميزانًا. وحين يُحمَّل الخطأ لأهله، لا نؤجّج الخصومة، بل نضعها في موضعها الصحيح… حيث يمكن للعدل، لا للضجيج، أن يبدأ.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى