آداب

ربى عامر البردي… حين تتقدّم الحروف على العمر

مقالات الإعلامي حامد الطلحي الهذلي

ليست الكتابة امتيازًا للعمر الطويل، ولا حكرًا على التجربة الممتدة في السنوات، بل هي وعيٌ مبكّر بالحياة، وقدرة على التقاط المعنى قبل أن يشيخ في الأفواه. ومن هذا المعنى تدخل الكاتبة الشابة ربى عامر البردي إلى المشهد الأدبي، لا بوصفها ابنة السنوات القليلة، بل بوصفها ابنة الحرف حين ينضج مبكرًا.

ربى طالبة إعلام في جامعة الطائف، تواصل دراستها في عامها الجامعي الثاني، وتمثل نموذجًا لجيلٍ يجمع بين التكوين الأكاديمي في الإعلام، والموهبة الأدبية التي تبحث عن لغتها الخاصة. وهي كاتبة أدبية وكاتبة محتوى، تنوّعت كتاباتها بين الشعر والمقالة والرواية، وكأنها تجرّب اللغة في أكثر من حقل، وتختبر قدرتها على احتواء الفكرة والعاطفة معًا.


شاركت في عدد من المسابقات الثقافية، من بينها مسابقة المهارات الثقافية بالتعاون مع وزارة التعليم ووزارة الثقافة، حيث حققت المركز الثاني في مسار القصة القصيرة على مستوى محافظة الطائف، في إنجازٍ يؤكد أن موهبتها لم تتكوّن في العزلة، بل خاضت ميدان التنافس وأثبتت حضورها بين أقرانها في فضاءٍ رسميّ معتمد.


كما نشرت أعمالًا صحفية، من بينها مقال منشور في صحيفة غرب الإخبارية، وقدّمت من خلاله نموذجًا للكتابة التي تمزج بين الحسّ الأدبي والوعي الإعلامي، فتكتب الفكرة بلغة القلب، وتقدّمها بعقل الصحافة.


وحين أصدرت روايتها «ما تبقّى لي»، في عملٍ بلغ قرابة 389 صفحة، لم تكن تخوض مغامرة شكلية، بل كانت تدخل اختبارًا سرديًا شاقًا:


كيف تمسك كاتبة في التاسعة عشرة بخيوط نص طويل النفس؟

وقد جاءت الرواية بوصفها محاولة جادّة لبناء عالمٍ متكامل، تمنح فيه الشخصيات زمنها الكافي للتشكّل، وتترك للأحداث مساحة للتراكم، في نصٍّ لا يستعجل الوصول إلى النهاية بقدر ما يهتم برحلة المعنى.


إن ما يميّز تجربة ربى عامر البردي ليس كثرة الإنتاج، بل صدق النبرة. فهي لا تكتب لتدهش وحسب، بل لتفهم، ولا تبحث عن التصفيق العابر، بل عن الأثر الباقي. لغتها تميل إلى الشفافية، وتجنح إلى العاطفة الواعية، وتتحرك بين الشعرية والسرد بخطوات متزنة، كأنها تتعلّم من كل نص كيف يكون النص القادم أكثر عمقًا.


وفي زمنٍ تتسارع فيه الكتابة إلى الشاشات وتفقد كثيرًا من رصانتها، تأتي تجربة ربى لتقول إن الجيل الجديد قادر على إعادة الاعتبار للأدب بوصفه رسالة لا منشورًا عابرًا، ومسؤولية لا استعراضًا.


ربى عامر البردي ليست مشروع كاتبة فحسب، بل مشروع وعيٍ أدبي يتشكّل أمامنا. وما كتبته حتى الآن ليس إلا بداية الطريق… أما الاسم، فيُصنع بالصبر، وأما التجربة، فتُكتب بالصدق، وأما المستقبل، فله حبره الخاص.

ربى عامر البردي… حين تتقدّم الحروف على العمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى