
في أعالي الجبال، حيث يلامس الضباب نوافذ الذاكرة، وتقف الصخور شاهدًا لا يشيخ، تتربع قرية قيار في محافظة الدائر بني مالك بمنطقة جازان، كواحدة من أندر الكنوز التراثية التي ما زالت تحرس الزمن بصمتٍ مهيب.
قرية سكنية وحصن قديم، تعود جذوره إلى الفترة ما بين 1512م – 1520م، ويجمع المؤرخون على أن عمرها يتجاوز الألف عام، لتصبح بذلك سجلًا مفتوحًا لتاريخ الإنسان والمكان. بُنيت قيار من الحجر الصلد، بحرفية معمارية مذهلة، تعكس عبقرية البناء في تلك العصور، حيث تتوسطها برجان شامخان يصل ارتفاع كل واحد منهما إلى عشرة طوابق، يقفان اليوم كحراسٍ أوفياء للذاكرة، رغم تهدم كثير من مرافق القرية.
ورغم ما أصابها من عوامل الزمن، بقي البرجان صامدين، في مشهدٍ يروي حكاية الإتقان والدقة، ويؤكد أن هذا البناء لم يكن مجرد حجارة، بل رؤية حضارية متكاملة، صُممت لتقاوم القرون وتواجه التحولات.
إن قرية قيار ليست موقعًا أثريًا فحسب، بل لوحة تاريخية حيّة، تختزل روح المكان، وتستدعي الاهتمام والعناية من الجهات ذات العلاقة، لإعادة ترميمها وبعث الحياة في جنباتها، لتتحول إلى وجهة سياحية عالمية، تستقطب الزوار من مختلف دول العالم، وتفتح نافذة على تاريخ جازان العريق.
فقيار، حين تُرمَّم، لا تعود فقط قريةً منسية، بل تعود حكايةً تُروى، وذاكرةً تُزار، وهويةً تُحتفى بها… لتبقى جازان كما كانت دائمًا، أرض التاريخ والجمال والدهشة




