
لمَّا نلتفت اليوم إلى الوراء، ونقلبُ صفحات الذاكرة القريبة، تطالعنا قصةٌ ثقيلة الظلِّ، عميقة الأثر، اسمها كُورُونا.
قصة لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بالقلق، وبالدُّموع، وبأنفاسٍ محجوزة خلف الكمَّامات، وبأبوابٍ أُغلقت فجأة على عالمٍ لم يكن مستعدًا لكل ذلك الصمت.
جاءت كورونا على حين غفلة، كضيفٍ غير مرحَّب به، لا يحمل في يده سوى الخوف.
غيَّر تفاصيل الحياة البسيطة قبل الكبيرة؛ المصافحة التي كانت عادة، والعناقُ الذي كان لغة، والجلوس القريب الذي كان أُلفة، صارت كلها محظورات.
تباعدت الأجساد، واقترب القلق، وامتلأت البيوت بأخبارٍ تتناقلها الشاشات، وأرقامٍ ترتفع، وقلوبٍ تدعو أن تمرَّ العاصفة بأقل الخسائر.
كان العالم كلُّه يعيش التجربة ذاتها، لكن لكل بيت حكايته، ولكل قلب وجعه الخاص.
مرضى صارعوا الألم، وأطباء وقفوا في الصفوف الأولى، يواجهون المجهول بثباتٍ نادر، وأسرٌ ودَّعت أحبابها دون وداعٍ يليق بالفراق.
كان الموت حاضرًا في الأخبار، والنجاة أملًا معلَّقًا بالدعاء والاحتياط والصبر.
ومن أكثر مشاهد القصة إيلامًا، تلك المساجد التي خلت من روَّادها، بيوتُ الله التي اعتادت السجود والصفوف المتراصَّة، بقيت صامتة، لا يؤنسها إلا صوت المؤذِّن، يرفع الأذان ثم يعود وحده.
صلَّينا في البيوت، وصمنا رمضان بعيدًا عن التراويح، وأقمنا الجمعة ظهرًا، واستقبلنا العيدين بفرحٍ منقوص.
كان الامتحان قاسيًا، لكنَّه كشف معنى الطاعة في أوسع صورها، طاعة الله في العبادة، وطاعته في حفظ النفس.
علَّمتنا كورونا أن النعمة لا تُعرف إلا عند فقدها، وأن الاجتماع فضل، وأن السلام والعناق عبادة خفيَّة لا نشعر بقيمتها إلا حين تُمنع.
علَّمتنا أن الإنسان ضعيف مهما بلغ علمه، وأن أمرًا لا يُرى بالعين قد يقلب العالم رأسًا على عقب.
وفي الوقت ذاته، أظهر أجمل ما في البشر؛ التضامن، والتكافل، والحرص على الآخر، والدعاء الصادق في ساعات الخلوة.
ثم مضت الأيام، وخفَّ الوباء، وعاد الناس تدريجيًا إلى حياتهم.
فُتحت المساجد، وعادت الجماعة، وإن كانت بخطواتٍ مترددة في البداية.
عدنا بكمَّامات ومسافات، لكن بقلوبٍ أكثر امتنانًا.
أدركنا أن العودة نفسها نعمة، وأن الركعة في المسجد بعد الانقطاع ليست كغيرها، وأن السلام بعد المنع له طعم خاص.
واليوم، حين نقول: كورونا قصة من الماضي، لا نقولها نسيانًا، بل وعيًا.
هو ماضٍ نحمله معنا درسًا لا يُمحى، وتجربةٌ صاغت وعينا، وذكَّرتنا بأن الصِّحة كنز، وبأن القرب من الله تعالى لا تحدُّه الأماكن، وبأن الشدائد تمضي، لكن آثارها تبقى لتعلِّمنا كيف نعيش أبسط أيامنا بشكرٍ أعمق.
هكذا نطوي صفحة كورونا، لا كحكايةٍ مخيفة فقط، بل كفصلٍ من حياتنا جعلنا أكثر إدراكًا لقيمة الإنسان، وأكثر حرصًا على النعمة، وأكثر يقينًا بأن بعد العسر يسرًا، وأن ما مضى، وإن كان مؤلمًا، فقد صار اليوم… قصة من الماضي.
23 / 7 / 1446هـ



