آداب

معارض الكتب .. وعي فكري أم نشر ثقافي؟

د. مصلح البركات

معارض الكتب لم تعد مجرد ساحات لشراء الكتب أو استعراض عناوين جديدة؛ لقد تحولت إلى مرايا تعكس مستوى الوعي الجمعي، ودرجة الانفتاح الثقافي، واتساع المدارك في المجتمعات العربية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه مع كل دورة تُفتَح أبوابها: هل تُكرّس هذه المعارض الوعي الفكري الحقيقي، أم تكتفي بنشر ثقافة سطحية عابرة؟

الصورة من الخارج تبدو لامعة: أجنحة ممتدة، دور نشر عالمية، أمسيات توقيع، وحشود تتنقل بين الرفوف. غير أن الوعي الفكري لا يُقاس بعدد الزوار ولا بعدد الكتب المقتناة، بل بنوعية الأسئلة التي تثيرها القراءة في داخل القارئ، وبما تُحدثه من أثر طويل المدى. كثير من الزائرين يخرجون بحقائب ممتلئة، لكن عقولهم تبقى في المكان ذاته. وكثيرون يلتقطون صورًا أكثر مما يفتحون صفحات.


ومع ذلك، يظل لمعارض الكتب دور مهم في نشر الثقافة العامة؛ فهي تشحن الفضاء العام بحيوية فكرية، وتعيد الاعتبار للكتاب في زمن الشاشات. إنها تمنح الكتاب حضورًا اجتماعيًا، وتجعل القراءة فعلاً جماعيًا يظهر في الشوارع والصفوف والمقاهي، وهذا بحد ذاته مكسب ثقافي لا يستهان به. فحين يُخصّص المجتمع أيامًا كاملة للاحتفاء بالكتاب، فهذا اعتراف صريح بأن الثقافة ما تزال قادرة على أن تبقى في دائرة الضوء.


لكن الوعي الفكري أعمق من ذلك. الوعي لا يتشكل من كثرة الكتب المعروضة، بل من عمق الكتب المقروءة.


لا يكفي أن نملأ المكتبات المنزلية، بل ينبغي أن نملأ العقول بالأفكار. الوعي نتاج حوار، ونقاش، وصدام إيجابي مع النصوص نتاج شك، وتساؤلات، وعمليات فهم تتجدد في كل قراءة. لذلك قد نجد زائرًا واحدًا خرج بكتاب واحد فقط لكنه خرج بفكرة، بينما يخرج آخر بعشرة كتب دون أن يخرج بسؤال واحد.

ولعل الإشكال الأكبر في بعض معارض الكتب أنها تتحول — بغير قصد — إلى سوق تجارية ضخمة، تُهيمن عليها دور نشر تبحث عن الأرباح قبل الرسائل فتنتشر كتب الرفاهية السريعة، وكتب تطوير الذات ذات العناوين اللامعة، والكتب التي تُكتب لتباع لا لتُقرأ. هنا يصبح نشر الثقافة مجرد حركة تجارية، ويتراجع الوعي الفكري لصالح المحتوى السهل.


ومع ذلك، تبقى المعارض فرصة ذهبية لمن يحسن استثمارها: فرصة لاكتشاف مؤلفات رصينة، والاقتراب من المفكرين، وسماع نقاشات تتجاوز المألوف، واختيار ما يثري العقل لا ما يرضي المزاج. هي مساحة قد تُطلق شرارة الوعي لمن يبحث عنه، وقد تبقى مجرد تظاهرة ثقافية لمن يكتفي بالعبور خلالها.


في النهاية، ليست المشكلة في المعارض، بل في طريقة تعاملنا نحن معها. فهي قادرة على أن تكون مصانع للوعي الفكري، وقادرة أيضًا على أن تكون أسواقًا للنشر الثقافي الخفيف. وما بين الوعي والنشر تقف نية القارئ، التي تحدد إن كان سيغادر المعرض حاملًا كتابًا… أم حاملًا رؤية جديدة للعالم.

معارض الكتب .. وعي فكري أم نشر ثقافي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى