
قال:
كما التقينا ذات يوم
لم يكن اللقاء نعمة، فحسب
بل كان اختبارًا
قاسيًا للقلبٍ
لم أكن أعرف
أنه قابل للكسر
إلى هذا الحد.
ارتبك الوقت
لا لأننا استعجلنا،
بل لأننا خذلنا،
تُركنا في منتصف
اللحظةدون تعليمات،
دون وعدٍ واضح،
ودون نهاية نستطيع
أن نتمسّك بها.
تعثّرت المسافات
ليس بيننا فقط،
بل بدواخلنا،
بين ما نشعر به
وما يُفترض أن نفعله،
بين رجلٍ يريدك
وقلبٍ يعرف أنه سيخسرك.
صار للصمت معنى يشبهك،
ليس هدوءًا،
بل ثقلًا جاثمًا
على صدري،
كلما صمتُّ
سمعتك أكثر،
وكلما حاولت النسيان
تقدّمت صورتك
كأنك الفكرة الوحيدة
التي رفضت المغادرة.
كأن اللحظة كانت تعرف
أن هذا اللقاء
ليس للطمأنينة،
بل للفقد،
كأننا التقينا
لكي نتعلّم
كيف يؤلم الغياب
حتى في وجود الآخر.
لا أعرف ما الذي قادني إليك،
لكنني أعرف ما الذي قادني بعيدًا عن نفسي.
منذ اللحظة الأولى
وأنا أفقد شيئًا مني
وأدّعي أنني أكسبك.
كنت أسحب ورائي
بحر مدينتك،
ليس إعجابًا،
بل استسلامًا،
سحبت موجه الذي لا يرحم،
وملحه الذي يحرق الجروح،
ونوارسه التي تحلّق
ثم تتركك وحيدًا
في المنتصف.
جلست أخيرًا على شواطئ بحرك،
بكامل قواي العقلية والجسدية، نعم…
كنت واعيًا تمامًا، واعياً بأنني أضع قلبي
في مكانٍ لا يعود منه سالمًا.
انتظرت سفينتك
كما ينتظر رجلٌ مكسور
معجزة لا تحدث،
كنت أعرف أنها قد لا تأتي،
لكنني انتظرت، لأن الانتظار معك
كان أقل ألمًا من الرحيل دونك.
حاولت أن أكون مُودِّعًا،
أن أتصرف كالرجل الناضج،
أن أقول: انتهى، وأغلق الباب بهدوء،
لكن الحقيقة أبسط وأقسى:
قلبي لم يكن قويًا كفاية
ليغلق شيئًا فتحته أنت.
الفقد ليس كلمة،
الفقد هو أن تستيقظ
وأنت تعرف أن هناك شخصًا
كان يجب أن يكون هنا
ولن يكون.
هو أن تتظاهر بالقوة
أمام الجميع، ثم تنهار وحدك
لأن صوتك لا يصل إليه.
أنا رجلٌ كُسر خاطره،
لا لأنك رحلت فقط،
بل لأنني صدّقت
أن البقاء ممكن،
وأن الاشتياق
لن يتحوّل إلى عادة مؤلمة.
اشتياقي لك
ليس شعرًا،
ولا حنينًا جميلًا،
إنه تعب، إرهاق روحيّ،
هو أن أعيش أيامي
وأنا أنقص، وأبتسم وأنا خاوٍ.
كنت أستطيع أن أكون أقسى،
أن أرحل قبل أن أتعلّق،
أن أختصر الطريق،
لكنني لم أفعل،
والآن أدفع الثمن كاملًا
دون تقسيط.
بعض الفقد
لا يُشفى،
نحن فقط نتعلّم
كيف نعيش
ونحن ننزف بصمت.
وأنا…
لا أطلب عودتك،
ولا أستجدي حضورك،
أنا فقط أعترف:
أوجعتني،
كسرتني،
وتركتني رجلًا
يحاول كل يوم
أن يقنع قلبه
أنك لم تكوني
كل هذا العالم…
بينما هو يعرف
أنك كنتِه كله.
بقلم أ . محمد باجعفر



