مال وأعمال

الاستثمار بين هدر المال واستنزاف الجهد

كتبه :محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

كثيرون يظنون أن أي مشروع صغير هو طريق سريع للخلاص من ضيق الراتب وتعب الوظيفة، وأن الاستقلال يبدأ بمجرد فتح باب عمل خاص، مهما كان بسيطًا. لكن الواقع يقول إن بعض القرارات، وإن اتُّخذت بنيّة صادقة واجتهاد كبير، قد تتحوّل مع الوقت إلى عبء أثقل من الوظيفة نفسها، لا لأن الفكرة سيئة، بل لأن الحساب غائب.

المشكلة لا تكون في الرغبة في العمل، ولا في حب الكسب، فهذه أمور محمودة، لكن الخلل يبدأ حين يُتخذ القرار دون تفكير كافٍ في هذه الأسئلة الصعبة:

كم سيأخذ هذا العمل من الوقت؟

  • هل الدخل ثابت أم متقلّب؟
  • هل أستطيع الغياب يومًا دون أن يتوقف كل شيء؟
  • وهل ما سأجنيه يساوي ما سأبذله من جهد وقلق وتعب يومي؟

كثير من الأعمال الصغيرة تعتمد اعتمادًا كاملًا على حضور صاحبها. إن حضر تحرّك العمل، وإن غاب توقف. ومع الأيام، يصبح الشخص أسيرًا للعمل بدل أن يكون العمل في خدمته.

يتكرر اليوم نفسه، وتتراكم المصاريف، ويظل الدخل غير واضح، فيضيع الوقت قبل أن يظهر أي عائد حقيقي، ويُستهلك الجهد قبل أن يثمر المال.

وهنا يظهر الفرق المهم الذي يغفل عنه كثيرون:

ليس كل عمل استثمارًا.

العمل قد يُشغلك طوال اليوم ليمنحك دخلًا محدودًا.

أما الاستثمار فيفترض أن يعمل عنك، لا أن يستهلكك.

ومن أكثر الأخطاء شيوعًا الدخول في مشروع دون دراسة جدوى حقيقية. ليس المقصود أوراقًا معقّدة أو حسابات صعبة، بل نظرة صادقة:
هل هذا المشروع يناسب ظروفي؟

هل أتحمّل التزامه اليومي؟
وهل سيضيف إلى حياتي استقرارًا أم قلقًا جديدًا؟

فكم من شخص تعب واجتهد وخسر، لا لأنه مهمل، بل لأنه لم يسأل هذه الأسئلة قبل أن يبدأ.

المال الذي يُنفق يمكن تعويضه، لكن الوقت الذي يضيع لا يعود. والعقل حين يُستنزف في تفاصيل يومية مرهقة، يفقد قدرته على التفكير الهادئ ورؤية الفرص الأفضل.

لذلك، فإن الحكمة ليست في كثرة التعب، ولا في حجم المشروع، بل في حسن الاختيار.

الاستثمار الحقيقي هو ما يحفظ كرامة الوقت، ويمنح الدخل دون أن يسرق العمر، ويُريح البال بدل أن يثقله. وليس كل طريق متعب طريقًا صحيحًا، ولا كل جهد دليل نجاح.

أحيانًا، يكون القرار الأذكى هو أن نتوقف قليلًا، ونحسب جيدًا، قبل أن نبدأ.

الاستثمار بين هدر المال واستنزاف الجهد
كتبه :محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى