مقالات

الانفلات الأخلاقي ووسائل التواصل الاجتماعي

د. مصلح البركات

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير وتبادل الآراء؛ لقد تحولت إلى ساحات صراع مفتوحة، تتداخل فيها الأصوات، وتتسابق فيها الاتهامات، وتختلط فيها الحقيقة بالتأويل، والنقد بالمحاسبة، والنصيحة بالجرح. ومع هذا التداخل غير المنضبط، ظهر ما يمكن تسميته بـ الانفلات الأخلاقي، حيث يتوارى احترام الإنسان خلف شاشات مضيئة، ويختبئ البعض خلف أسماء مستعارة ليقولوا ما لم يكن ليقال في العلن.

أنا مع النقد الهادف، ذاك الذي يرمّم ولا يهدم، يضيء ولا يحرق، ويدفع المجتمع نحو وعي أفضل لا نحو مزيد من الضجيج. النقد ضرورة، وهو صمّام أمان لأي بيئة فكرية حيّة، لكنه عندما يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات بأثر رجعي، وتحت ذرائع ظاهرها الحرص وباطنها الانتقام، فإنه يخرج من دائرة الأخلاق إلى دائرة الفوضى.


المؤسف أن البعض استسهل الإيذاء اللفظي، وصار يتعامل مع المنصات بوصفها ساحة للمواجهة لا للحوار. فبدل أن يكتب الإنسان رأيًا يُسهم في بناء الوعي، صار يبحث عن خطأ قديم ليعيده إلى الواجهة، أو هفوة مضت ليستثمرها في التشهير. كل ذلك يحدث في ظل غياب الرقابة الأخلاقية الذاتية، لا الرقابة القانونية فقط. فالتقنيات الحديثة لا تُنبت الأخلاق، بل تكشفها.


ومما يزيد المشهد تعقيدًا أن التفاعل اللحظي يمنح الشخص شعورًا بالقوة الزائفة: إعجابات، مشاركات، انتشار سريع. كل هذا يغري البعض بالاستمرار في تجاوز الحدود بدعوى الصراحة أو الجرأة، بينما الحقيقة أنها مجرد قسوة مغلّفة بعبارات نقدية. والنتيجة؟ خسارة للقيم، تآكل للثقة، وتشويه لسمعة أشخاص قد لا يملكون حتى فرصة الرد.


الأخلاق ليست خيارًا إضافيًا في فضاء التواصل، بل هي الشرط الأول لبقاء هذا الفضاء صحيًا. أن تنتقد؟ نعم. أن تكشف خللًا؟ واجب. أن تختلف؟ حق مشروع. لكن أن تنال من كرامة إنسان، أو تحاكمه عن ماضٍ أغبرته السنوات، أو تستغل منصّة عامة لتسوية ثأر شخصي… فهذا هو الانفلات الذي يُفسد المشهد كله.


قد نختلف حول الأفكار، لكن يجب ألا نختلف حول قيمة الإنسان. فالكلمة مسؤولية، والاختلاف لا يمنح أحدًا حقّ الانقضاض، والحرية لا تعني الفوضى. إن وسائل التواصل يمكن أن تكون منبرًا للوعي، أو مستنقعًا للانحدار. والاختيار — في النهاية — بيد من يكتب، لا بيد ما يكتب عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى