
الخصوصية السعودية على المستوى العالمي
الوجهة الدينية للعالم الإسلامي
تحتل المملكة العربية السعودية مكانة دينية مركزية في العالم الإسلامي ، تستند إلى أسس شرعية وتاريخية وواقعية ، فهي الوجهة الدينية للمسلمين في جميع أصقاع الأرض ، وهي بهذا المركز الروحي الأقدس والأعظم على مستوى المعمورة ، تُمثِّلُ مرجعية كبرى لجميع المسلمين في شؤونهم العقدية والشرعية. ولا يمكن معرفة قدر هذه المكانة الدينية ، وفهم أثر هذا الدور الذي تؤديه المملكة قياماً بواجبها الذي شرَّفها الله به ، وخدمة للمسلمين ، وتعظيماً لشعائر الله عز وجل ، وصوناً لمقدساته ، بعيدًا عن خصوصية المكان ، وصحة المنهج ، واستشعار المسؤولية الدينية والتاريخية التي يتحمّلها من اختاره الله عز وجل واصطفاه ، ومكَّنه وشرَّفه ليكون خادماً للحرمين الشريفين ، وقائماً على رعاية شؤون قاصدي بيت الحرام ، ومسجد نبيه خير الأنام – عليه أفضل الصلاة والسلام – الذين يتوافدون على البقاع المقدَّسة من جميع أصقاع الأرض.
وهذه المكانة العظيمة ، والمهّمة الجليلة ، والدور المشرف الذي تطلع به المملكة – وهو عمل عظيم مشرّف – يتقاصر عنه الوصف والتسطير.
كل ذلك هو ما يفسر حجم التأثير الذي تتمتع به المملكة ، وكذلك حجم الاستهداف الذي تتعرض له قيادة وشعباً في هذا المجال من قبل الحاقدين والناقمين والحاسدين لا لجرمٍ وقع ؛ وإنما حسداً من عند أنفسهم! ، وبغياً وعدواناً على الخير وأهله!.
أولاً: الخصوصية الدينية التي تحظى بها المملكة :
لقد اختصّ الله تعالى أرض المملكة بخصوصية دينية لا تضاهيها أي بقعة أخرى ، فجعل فيها البيت الحرام ، وأمر الناس بالحج إليه ، وربط بينه وبين الهداية العامة للبشرية كافَّة ، فقال
تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }. (سورة آل عمران 96- 97).
يقول ابن كثير – رحمه الله تعالى – ” يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس ، أي: لعموم الناس ، لعبادتهم ونسكهم ، يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده { للذي ببكة } يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام ، الذي يزعم كلٌّ من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه ، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه “.
وقال تعالى: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }. (سورة البقرة، 125-126).
يقول ابن كثير – رحمه الله تعالى – بعد أن ذكر أقوال المفسرين : ” ومضمون ما فَسَّر به هؤلاء الأئمة هذه الآية : أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً من كونه مثابةً للناس ، أي : جعله محلاً تشتاق إليه الأرواح وتحنُّ إليه ، ولا تقضي منه وطراً ، ولو ترددت إليه كل عام ، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم – عليه السلام – ” .
ويقول السعدي – رحمه الله تعالى – ” أي : وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت ، أن يجعله الله بلداً آمناً ، ويرزق أهله من أنواع الثمرات ، ثم قيَّدَ – عليه السلام – هذا الدعاء للمؤمنين تأدباً مع الله ، إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق ، فجاء الجواب فيه مقيَّداً بغير الظالم.
فلما دعا لهم بالرزق وقيده بالمؤمن ، وكان رزق الله شاملاً للمؤمن والكافر ، والعاصي والطائع ، قال تعالى: { ومن كفر } أي : أرزقهم كلهم ، مسلمهم وكافرهم ، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله ، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة ، وأما الكافر فيتمتع فيها قليلاً {ثم أضطره } أي : أُلْجِئُه وأخرجه مكرهاً {إلى عذاب النار وبئس المصير} .
ومن عظيم ما منَّ الله عز وجل به على بلاد الحرمين أن جعل الأمن صفة ملازمة لحرمه فقال سبحانه وتعالى: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا }.
يقول ابن كثير – رحمه الله تعالى – عن البيت الحرام : ” ويصفه تعالى بأنه جعله أَمْناً ، من دخله أَمِنَ ، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمناً.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فيه فلا يعرض له”.
وقال تعالى: { وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }. ( سورة القصص ، 57). وقال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } . ( سورة العنكبوت ،67).
وقال تعالى: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}. ( سورة قريش ).
وقال تعالى حاكياً عن نبيه عليه الصلاة والسلام : { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }. (سورة النمل ، 91).
يقول الطبري – رحمه الله تعالى – : ” يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل : { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ) وهي مكة { الَّذِي حَرَّمَهَا ) على خلقه أن يسفكوا فيها دماً حراماً ، أو يظلموا فيها أحداً ، أو يصاد صيدها ، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون ” . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة » ( متفق عليه ).
إن هذه النصوص الشرعية تؤسس لمفهوم المركزية الدينية التي تشعُّ نوراً وبركةً وهدايةً للعالمين، وأمناً ورخاءً وطمأنينةً للعابدين ، كما أنها تؤكد ثقل المسؤولية ، وعِظَم المهمَّة الواقعة على عاتق القائمين على شؤون الحرمين والمشاعر المقدسة ؛ إذ إن ارتباط شعائر الإسلام الكبرى بمكان واحد ، يجعل من القائم على شؤونه طرفًا رئيسًا في حفظ الدين وممارسة شعائره ، وتحقيق المقاصد الشرعية ، تعظيماً لشعائر الله تعالى ، وترسيخاً لمعاني التوحيد الخالص لله تعالى ، ولتبقى هذه البقاع مهوى أفئدة المؤمنين ، ومأرز إيمانهم ، وكما كانت تلك البقاع مهبط وحي الله تعالى ، فستبقى المكان الذي يشعُّ منه نور الهداية والإيمان واليقين إلى جميع بقاع الأرض.
ثانياً: المسؤولية الدينية التي تقوم بها المملكة في رعاية الحرمين وقاصديهما:
عبر التاريخ الإسلامي شكّلت رعاية الحرمين الشريفين معيارًا للشرعية الدينية والسياسية ، فحرصت الدول الإسلامية المتعاقبة على إبراز هذا الدور ، والسعي لأن يُنسب لها رعاية الحرمين والقيام بشؤونهما سواءً أَوَفَتْ بذلك أم قَصَّرَتْ فيه؟!… ومع قيام الدولة السعودية الثالثة نقلت هذا الدور من مجرد رمزية سياسية أو تاريخية إلى مؤسسة دولة متكاملة ، جعلت خدمة الحرمين والمشاعر المقدسة مشروعًا حضاريًا مستدامًا ، يلمسه قاصدي الحرمين الشريفين ويعيشونه واقعاً كلَّما أتوا إلى البقاع المقدَّسة ، وقد تجلّى ذلك في توسعات الحرمين الكبيرة والمتلاحقة ، والتنظيمات الحديثة ، ووسائل الخدمة التي توفر لزوَّار المشاعر المقدسة راحة وأمناً وطمأنينة.
إن الجهود التي تبذلها المملكة لخدمة ضيوف الرحمن هي جهود فريدة في حجمها ومضمونها ومبتغاها ، فلم يشهد التاريخ الإسلامي لها نظيرًا من حيث السعة ، والدقة ، والشمولية ، والقدرة الاستيعابية ، ومقدار الإنفاق الحكومي عليها ، ولا شكَّ أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يشكرون للمملكة جهودها ، وبذلها ، وحرصها على القيام بشؤون الحرمين الشريفين خير قيام.
وهنا لا بد من التأكيد بأن من أهم الجهود التي قامت به المملكة في خدمة الحرمين والإحسان إلى قاصديهما هو : الحفاظ على نقاء العقيدة ، وسلامة المنهج ، وسماحة الدين ، ومنع كل أنواع الشرك والبدع ، والتصدي لحملات تسييس الدين وإطلاق الشعارات التي تؤثر على روحانية العبادة ، وتخالف مقصودها.
وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى.
الخميس الموافق 26 رجب 1447ه.




قرأت مقال الدكتور علي بتأمّل وتقدير بالغين، فوجدته طرحًا علميًّا رصينًا يعبّر عن وعي عميق بالخصوصية السعودية في بعدها الديني والحضاري، ويجسّد إدراكًا دقيقًا لمكانة هذه البلاد التي اختصّها الله بخدمة أقدس بقاع الأرض، وجعلها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم.
لقد أحسن الدكتور علي في تأصيل مفهوم المركزية الدينية للمملكة من خلال ربطه بالنصوص الشرعية المحكمة، وأقوال أئمة التفسير، فجاء المقال ممتدّ الجذور، واضح المعالم، جامعًا بين قوة الاستدلال، وعمق الفهم، وسلامة المنهج. كما وفّق في إبراز أن مكانة المملكة ليست ادعاءً سياسيًا ولا توصيفًا عاطفيًا، بل حقيقة شرعية وتاريخية وواقعية تشهد بها النصوص، ويؤكدها الواقع الملموس.
ويمتاز المقال بإنصافه حين ربط بين شرف المكان وثقل المسؤولية، فبيّن أن رعاية الحرمين ليست امتيازًا فحسب، بل أمانة عظيمة، وتكليف شرعي وتاريخي، قامت به المملكة – ولا تزال – قيامًا مؤسسيًا واعيًا، نقل خدمة الحرمين من مجرد رمزٍ سيادي إلى مشروع حضاري متكامل، يشهده ملايين الحجاج والمعتمرين أمنًا وتنظيمًا وخدمةً وعنايةً بالعقيدة قبل كل شيء.
كما يُحسب للمقال تسليطه الضوء على جانب بالغ الأهمية، وهو حماية قدسية الشعيرة من التسييس، وصيانة التوحيد من الشوائب، والحفاظ على صفاء العبادة وروحانيتها، وهو ما يعكس فهمًا دقيقًا لمقاصد الشريعة، ودور الدولة في حفظ الدين، وتعظيم شعائر الله.
إن هذا المقال يُعدّ إضافة نوعية للخطاب المعرفي المتزن، وردًا علميًا هادئًا على محاولات التشكيك والاستهداف، ويؤكد أن المملكة العربية السعودية إنما تستمد قوتها ومكانتها من قيامها بحق الله أولًا، ثم بحق المسلمين كافة، في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما.
شكرًا للدكتور علي على هذا الطرح العميق، والبيان الواضح، والغيرة الصادقة على مقدسات الأمة، وجزاه الله خير الجزاء، وبارك في علمه وقلمه.
بارك الله فيك ابا عبد الرحمن
مقال رائع جداً
حفظ الله المملكة العربية السعودية من كل سوء
وحفظ الله عليها قيادتها