مقالات

التميّز السعودي في مواجهة التحديات (5)

د. علي بن يحيى بن جابر الفيفي

الخصوصية السعودية على المستوى العالمي

ثالثاً : حمل راية الأمة في كل القضايا ذات البعد الدولي والإنساني

المملكة العربية السعودية هي الدولة المحورية الأولى في العالم العربي والإسلامي ، بحكم مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية ، وبحكم رؤيتها الثاقبة ، وسياستها الحكيمة ، وشجاعة قيادتها الرشيدة التي لا تتعجل في تصرفاتها ، ولا تتردد في مواقفها إذا لزم التدخل ، ولا تحيد عن مواقفها الثابتة مهما كانت الضغوط أو الإغراءات. وقد انعكس هذا الثقل في دورها الفاعل تجاه القضايا العربية والإسلامية ، سواء عبر المبادرات السياسية ، أو الوساطات الدبلوماسية ، أو الجهود الإنسانية والإغاثية.

وسوف أحاول أن أستعرض أبرز القضايا العربية والإسلامية التي أسهمت المملكة فيها إسهاماً مؤثراً يخدم المصلحة العربية والإسلامية ، ويخفف عن شعوب تلك الدول المعاناة ، ويرسم لهم طريقاً إلى حياة كريمة ، ومستقبل باسم مشرق.

وقد سبق الحديث عن القضة الفلسطينية ، واليمنية ، والسورية ، وهنا نستكمل الحديث في هذا السياق .

رابعاً : الحرب السودانية

الحرب الدائرة في السودان ، والتي اندلعت في أواخر شهر رمضان 1444ه الموافق 15 أبريل 2023م بعد أن شنَّت قوات الدعم السريع هجماتٍ خاطفة على مواقع حكومية رئيسية في العاصمة الخرطوم بعد أيام من الاستعداد وحشد القوات ، أَدَّتْ هذه الحرب إلى واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية التي تنذر بعواقب وخيمة على الأمن الوطني السوداني ، وعلى الأمن القومي العربي ، حيث تداخل الصراع العسكري مع هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها السيادية.  

وأمام هذه الأزمة الطارئة برز الموقف السعودي كدور إقليمي محوري فاعل ومؤثر ، يجمع بين الدعم السياسي والدبلوماسي والإنساني ، ويهدف إلى إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ، ومنع تحوّله إلى ساحة صراع تمزِّقُ النسيج الاجتماعي ، وتُقَسِّم البلد ، وتفتح المجال لأَعداء السودان والمتربصين به!.

ففي المجال السياسي : كان موقف المملكة واضحاً منذ البداية في تأكيده على مبدأ احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ، ورفض أي حلول تُفضي إلى تفكيك الدولة أو شرعنة الميليشيات التي كانت تتلقى دعماً خارجياً غير مبرر!. فقد شدَّدت المملكة مراراً على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها.

وقد كان التوجه السعودي بالغ الأهمية في مساعدة الأشقاء في السودان في الحفاظ على كيان الدولة ، ومواجهة مشاريع التقسيم ، أو التدخل الخارجي المضر بمصالح الدولة السودانية واستقرارها.

وعلى المستوى الدبلوماسي بادرت المملكة بالشراكة مع الولايات لمتحدة الأمريكية بالدعوة إلى الحوار بين أطراف الصراع السوداني عبر منصة جدة. وقد تميزت الوساطة السعودية بالتركيز على الإجراءات العملية ، مثل : حماية المدنيين ، وضمان وصول المساعدات ، ووقف استهداف البنية التحتية. مع التأكيد على وجوب معالجة جذور الأزمة السياسية ورفض الحلول الجزئية.

كما حرصت القيادة السعودية وعلى رأسها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظ الله تعالى – على طرح الأزمة السودانية ضمن النقاشات الدولية رفيعة المستوى ، بما في ذلك اللقاءات مع القيادة الأمريكية في واشنطن أثناء زيارته لها ، حيث شرح للرئيس الأمريكي حقيقة الصراع في السودان ، وجذور الأزمة ، وخطورة استمرار الحرب ، وأن إطالة أمدها لا تهدد السودان وحده ، بل تنعكس سلباً على أمن المنطقة ، واستقرار البحر الأحمر ، والممرات الدولية ؛ لأن بقاء المليشيات وتمددها هو خطر يهدد المصالح الإقليمية والدولية.   

وقد أسهم هذا المسار في إبقاء الحل السياسي حاضرًا في المشهد الدولي ، ومنع تطبيع الحرب كأمر واقع. كما أعطى الدولة السودانية فرصة في شرح موقفها ، وتثبيت شرعيتها في مواجهة مليشيا الدعم السريع التي عاثت فساداً ودماراً في كل أنحاء السودان.

وفي الجانب الإنساني : شكّل الدعم الإنساني السعودي ركيزة أساسية في التعامل مع الأزمة السودانية ، حيث قدَّمت المملكة ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار ، وقد نَفَّذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية برامج إغاثية واسعة شملت: توفير الغذاء والمساعدات الطبية ، ودعم المرافق الصحية. بالإضافة إلى إغاثة النازحين واللاجئين داخل السودان وخارجه.

لقد كان الدور السعودي في أزمة السودان نموذجاً في تعامله مع الأزمات ؛ لأنه يقوم على احترام السيادة الوطنية ، ودعم الاستقرار ، وتغليب الحلول السياسية التي تحقق للسودان الأمن والاستقرار ، وضمان السيادة ، والحفاظ على الوحدة الوطنية.

خامساً : الموقف السعودي من قضية احتلال الكويت الشقيق

لقد تحدثت في الصفحات السابقة عن قضايا ما زلنا نعيش تفاعلاتها على أرض الواقع اليوم ، ولكني أريد أن أُذَكِّرَ بأن الموقف السعودي في نصرة قضايا الأمة ليس وليد اللحظة الآنية ، وإنما هو موقف ثابت ، ومنهج واحد من كل قضايا الأمة قديماً وحديثاً ، وما موقف المملكة من قضية احتلال العراق للكويت إلا خير دليل وشاهد على مواقف المملكة الثابتة والحازمة في الدفاع عن دول الأمة وشعوبها ، ونصرة قضاياها العادلة ، والوقوف في وجه الظالم المعتدي كائناً من كان ، ومهما كانت التحديات والمخاطر المترتبة على موقف الدعم السعودي للأشقاء ..

لقد شكَّل احتلال العراق لدولة الكويت في يوم الخميس 11 محرم 1411ه الموافق 2 أغسطس 1990م حدثًا صادماً وغير متوقع على مستوى الخليج والمنطقة العربية بأكملها ؛ لما مثَّله من تهديد مباشر للأمن الإقليمي ، وانتهاك صارخ لمبادئ السيادة والاستقلال التي يقوم عليها النظام الدولي.

وأمام هذه الكارثة التي حلَّت بالأمة العربية والإسلامية ، برز الموقف السعودي بوصفه أهم المواقف العربية والدولية المؤثرة في مواجهة هذا العدوان الغاشم ، حيث تميّز الموقف السعودي بالوضوح والحزم وسرعة التحرك ، وأسهم بصورة حاسمة في تحرير دولة الكويت واستعادة شرعيتها ، وكان الملك فهد رحمه الله تعالىهو القائد الفذ الذي رسم  الموقف ، وحدَّدَ بوصلة الاتجاه ، وسمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل رحمه الله تعالى هو الذي أوصل الموقف إلى جميع عواصم العالم وأقنعها به!.

لقد بادرت المملكة منذ اللحظة الأولى بإدانة الاحتلال العراقي إدانة قاطعة ، واعتبرته عدواناً غادراً وغير مبرر. كما أكدت المملكة دعمها الكامل لدولة الكويت الشقيق قيادة وشعباً ، وشدَّدت على أن أمن الكويت هو جزء لا يتجزأ من أمن المملكة ومنظومة الأمن الخليجي.

لقد كان موقف المملكة موقفاً شجاعاً ومبادراً وحاسماً ، وواضحاً وضوحاً لا لبس فيه ، وهذا كله يعكس التزام المملكة الصادق بمبادئ حسن الجوار ، واحترام سيادة الدول ، كما يؤكد التزامها بميثاق دول مجلس التعاون الخليجي بما يحقق أمن وسلامة جميع دول المجلس .

ففي المجال السياسي : لعبت المملكة دورًا محوريًا في الحراك الدبلوماسي الهادف إلى إنهاء الاحتلال العراقي بأسرع وقت ممكن مهما كانت التحديات والصعوبات التي ظهرت بسبب التعنت العراقي وعدم تجاوب القيادة العراقية مع الجهود المبذولة في ذلك الصدد.. حيث قادت المملكة جهودًا عربيةً ودوليةً مكثفةً لحشد التأييد ضد الاحتلال العراقي.

كما سعت المملكة إلى استصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي أدانت الغزو ، وفرضت عقوبات على العراق ، ومهّدت لاستخدام القوة لتحرير الكويت. وكانت المملكة هي حلقة الوصل الأساسية بين القيادة الكويتية والدول العربية والدول الكبرى ، مما عزَّز من وحدة الموقف الدولي ، ورسم له اتجاهاً صارماً لا يقبل بأقل من التحرير والانسحاب الكامل من جميع الأراضي الكويتية دون قيد أو شرط ، مما أضفى شرعية دولية على عملية تحرير الكويت الشقيق التي  تحققت في 12شعبان 1411ه الموافق 26 فبراير 1991م.

إن ما تحمَّلته المملكة تجاه شقيقتها دولة الكويت هو شيء يفوق الحصر والوصف! ، فإلى جانب المواقف السياسية ، والتحركات الدبلوماسية ، كان العمل العسكري الكبير الذي نظمته المملكة على أرضها ، وتحمَّلت كل تكاليفه ، واستدعت له كل دول العالم الراغبة في المشاركة في عملية تحرير الكويت ، وقد قادت أمريكا هذا التحالف بمشاركة وتنسيق وموافقة من المملكة.

وأجمل ما يبرزه الموقف السعودي هو البعد الأخوي والإنساني الذي تمثَّل في احتضان القيادة الكويتية الشقيقة ودعمها بكل ما تحتاجه لتسيير أمورها ، والقيام بإدارة ملف الأزمة بالشكل الذي يحقق رغبتها ، ويلبي احتياجات وآمال وتطلعات شعبها.

كما استقبلت المملكة منذ اللحظة الأولى للاحتلال أعداداً كبيرة من المواطنين الكويتيين ووفرت لهم كل وسائل الرعاية ، من سكن وإعاشة ، وخدمات صحية واجتماعية.

كما قدَّمت المملكة دعماً مالياًّ كبيراً جداًّ لتمويل جهود حرب تحرير الكويت ودعم شرعيتها ، واستعادة أمنها واستقرارها ؛ لتعود بعد سبعة أشهر حرَّةً أبيَّةً ، ذات سيادة كاملة على كامل ترابها الوطني...

…………………………………………………..

كان لي شرف المشاركة في عملية تحرير الكويت ، حيث كنتُ ضمن وحدات المشاة التي تحركت مباشرة إلى الحدود الكويتية بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت.

وفي عيد الفطر المبارك بعد التحرير ، كانت عندنا معايدة في وحدتي ، فشاركتُ بالقطعة التالية كمشاعر جاشت في النفس ، ولستُ بشاعر. 

العيد عندنا اليوم عيدان…
عيد الشريعة ، وعيد النصر

نَصْرٌ من الله الواحد المنّان…..
نَصْرٌ بَنَتْهُ سواعدُ الأبطال

نَصْرٌ تَتَوَّجْ –بفضل الله – عيد وأفراح.. 

وحِنَّا جنود الوطن ، أُسود لحِمَى
نَفْدي وَطَنَّا ، ونُرْخِص لِذَرَّاتِ اترابه الأرواح

وحنَّا جنود أبو فيصل  ،
وأبو فيصل من فَعَايِلْنا اليوم مرتاح

إن كان صدَّام هدَّام ، وللجار غدَّار .. 
حِنَّا نَصُدَّه ، على أعقابه نَرُدَّه

وحِنَّا ساعد الجار      
وحِنَّا له أهلٌ ودار

وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى.

الاثنين الموافق 7 شعبان 1447ه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى