مقالات

الحماقة حين يتحوّل العطب الفكري إلى خطرٍ اجتماعي

مقالات الإعلامي حامد الطلحي الهذلي

لكل داء دواء يُستطبّ به
إلا الحماقة أعيت من يداويها

بهذا البيت الخالد قدّم الإمام الشافعي تشخيصًا دقيقًا لمرضٍ لا تسري عليه قوانين العلاج المعتادة لأنه لا يصيب الجسد بل يُصيب البصيرة ولا يهاجم الأعضاء بل يعطّل ملكة التفكير. فالحماقة ليست نقصًا في الذكاء بل هي تمرّدٌ على العقل وإصرارٌ على الخطأ واعتقادٌ راسخ بأن الباطل حق وأن الانحراف صواب وقد جعل القرآن الكريم استعمال العقل معيارًا للتكريم الإنساني،قال تعالى ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، وقال سبحانه ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان 44].

فالمشكلة ليست في امتلاك العقل بل في تعطيله ولا في المعرفة بل في رفضها وتتجلى خطورة الحماقة حين تتزيّا بلباس الوعي وتتحدث باسم الفضيلة وتحتكر الحقيقة فتتحول من سلوك فردي إلى ظاهرة اجتماعية فالأحمق لا يخطئ في صمت بل يُجادل بضجيج ويخاصم بلا منطق ويطالب الآخرين باحترام جهله تحت مسمى حرية الرأي مع أن الرأي الذي لا يستند إلى عقل ولا معرفة ليس رأيًا بل فوضى فكرية.

وقد وصف القرآن هذا النموذج بدقة حين قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝أَ لَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَايَشْعُرُونَ﴾ [البقرة 11–12].

فهنا تتجسد الحماقة في أقسى صورها فسادٌ مصحوب بوهم الإصلاح وخطأٌ متشح بثوب النصح
وفي السنة النبوية تأكيدٌ لهذه القاعدة حين قال ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [رواه الترمذي]
فالأحمق لا يعرف حدوده ولا يفرّق بين ما يعنيه وما لا يعنيه بل يتدخل في كل شأن ويفتي في كل قضية ويصادر كل رأي مخالف ثم يرفع راية الغيرة على القيم وهو أول من يخرقها وتزداد الحماقة خطرًا حين تجد لها جمهورًا أو منابر أو مبررين فحينها تتحول من خلل فردي إلى ثقافة عامة، ومن تصرّف شاذ إلى سلوك مكرّس ويصدق في ذلك قول النبي ﷺ «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع» [رواه مسلم].

وهو توصيف بالغ الدقة لواحد من أخطر أنماط الحماقة الحديثة ترويج الإشاعة وتسويق التفاهة واعتبار النقل الأعمى وعيًا والضجيج معرفة.

فالحماقة ليست في الوقوع في الخطأ بل في الإصرار عليه وليست في الجهل بل في كراهية التعلّم وليست في الرأي بل في رفض المراجعة ولهذا فرّق الحكماء بين الجاهل والأحمق.

فالجاهل يمكن تعليمه أما الأحمق فيجادل ليبقى كما هو والمجتمع الواعي لا يُخاصم الحماقة بالصراخ ولا يواجهها بالانفعال لأن ذلك يمنحها ما تطلبه من ضجيج وشرعية وهمية بل يواجهها بالوعي، ويحدّ من تمددها بالتربية النقدية ويغلق أمامها أبواب المنابر التي تتغذى منها .

إن أخطر ما يهدد المجتمعات اليوم ليس الفقر ولا التحديات الخارجية وحدها بل تعطيل العقول من الداخل وتحويل الحماقة إلى بطولة والجهل إلى رأي والوقاحة إلى جرأة.

فإذا تعطّل العقل فأيُّ دواءٍ يُرجى بعد ذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى