مقالات

الحياة مواقف

أ /محمد باجعفر

لكل موقف في حياتنا معنى لا يظهر للعين المجردة، إذا لم نغص في أعماق تفاصيله، لنصل إلى الدرر المختبئة بين طياته.

هناك في قاع كل تجربة، حيث يسكن صمتها العميق، تختبئ الحكمة في صمتها، تنتظر من يجرؤ على الاستنطاق، على التساؤل بصبر، وعلى الإصغاء لما لا يُقال بصوت مسموع.

السكون ليس فراغًا، بل هو مساحة تحتاج إلى رمي حصاة التأمل فيها، لتتسرب تموجاتها عبر ذهننا، فتستيقظ الذبذبات التي تحمل أسرار الحياة.

كل حدث يومي، كل لحظة صغيرة، تحمل في ثناياها معنى أعمق إذا تعمقنا في مشاهدتها بلا استعجال، بلا حكم مسبق، بلا هروب من الحقيقة المخبأة خلف السطح.

عندما نصغي، نصغي حقًا، للهمسات التي تمر بجانبنا، للابتسامة العابرة، للصمت بين الكلمات، ندرك أن الحياة ليست مجرد أحداث متتالية، بل شبكة دقيقة من العبر، من الدروس الصغيرة التي إذا جمعناها، تشكل خريطة لفهم أنفسنا والعالم من حولنا.

إنه في هذا الإصغاء، في هذا الغوص العميق في تفاصيل اللحظة، تتشكل لدينا رؤية متجددة، قدرة على التمييز بين الزائف والحقيقي، بين ما يرفعنا ويهزنا، بين ما نحتاج إليه فعلاً وما نصدقه من أوهامنا.

كل موقف، مهما بدا عابرًا أو بسيطًا، يصبح بابًا نحو فهم أوسع، نحو حكمة تترك أثرها فينا، ببطء وبهدوء، فتتجذر فينا كما تتجذر الأشجار في الأرض، صامدة أمام العواصف، متجددة مع كل فجر جديد.

إنها رحلة لا تنتهي، رحلة تستدعي الصبر، والهدوء، والانتباه لكل نفس، لكل خفقة قلب، لكل ضوء يمر بين الظلال.

وكلما أمعنا النظر، اكتشفنا أن الحكمة ليست هدفًا بعيدًا، بل لحظة إدراك تتفتح أمامنا في كل مرة نصغي فيها بصدق، نستشعر فيها عمق الحياة، ونستخلص عبرها التي تضيء لنا الطريق دون صخب، دون ضوضاء، فقط بالهدوء والصمت الذي يحمل كل الإجابات التي نحملها داخلنا دون أن نعرفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى